عبدالكريم بن دهام الدهام
كثيراً ما تفاجئنا تلك الصور القديمة، الصور التي أخفيناها في غور الذاكرة منذ الصبا، فتبرز لنا وكأنها قصص معلّقة بين الخيال والوجود، لكنها رغم جميع ما مضى من أعوام تظل أقوى حضوراً من الزمن نفسه، لا تفارقنا، بل تقبع تفاصيلنا؛ في الكلمات التي ندونها، وفي الحكايات التي نرويها، وفي الأحلام التي نشك أننا كبرنا عليها، وفي الواقع هي تكبر فينا.
ومن أشد الصور ثباتاً في مخيلتي المسجد الحرام، الذي تتوسطه الكعبة المشرفة قبلة المسلمين، وهو أقدس بقعة لهم على وجه الأرض، يتجهون إليه ويستقبلونه أينما كانوا عند إقامة الصلاة، شامخ كأنه المشاعر كلها لا جزءاً منها. له هيبته الخاصة، وتأثيره الذي لا يوازيه شيء آخر.
لم يكن يفهم يومها الشاب المسلم من أصل باكستاني عبدالغفور شيخ لماذا كان الاقتراب من المسجد الحرام والمشاعر المقدسة محكوماً عليه بإخفاء آلة التصوير ومقياس الضوء تحت إحرامه، ولماذا بدت أمنيته امتيازاً يشبه الحلم القريب، بتوثيق بصري نادر لفريضة الحج كي يكون أول مسلم يوثق شعائر الحج بالصور الملونة، لكننا نحن أبناء هذه المرحلة وبعد مرور 74 عاماً وبعد أول صور ملونة للمسجد الحرام والمشاعر المقدسة، كنا ننتظر لحظة رؤية الصور تلك كما يُنتظر العيد.لم يكن التقرير المصور الذي نشرته مجلة ناشيونال جيوغرافيك بالألوان عن المسجد الحرام والمشاعر المقدسة بعنوان « من أمريكا إلى مكة في رحلة حج جوية « في يوليو عام 1953م، في داخل نفس عبدالغفور شيخ، الشاب البالغ من العمر 21 عاماً إلا طموحاً واضحاً، وحلماً مرسوم الملامح ورغبة جامحة بأن يطلق لخياله العنان، وأن يعانق الأفق الممتد أمامه من دون حدود، ومنذ تلك اللحظات الأولى للتوثيق التصق به وبنا نحن الذين شاهدنا صوره ذلك الإحساس حتى هذا اليوم؛ إحساس تعظيم شعائر الإسلام ومناسك الحج، وجميع الأماكن التي وقف عليها.درج «عبدالغفور» نحو المسجد الحرام والمشاعر المقدسة وخطت نفسه مسافة طويلة عبر رحلة جوية بدأت من مطار نيويورك مستودعاً الله بدعائه: «اللهم اطوِ لي الأرض»، حتى وصل إلى جدة، ومنها تابع طريقه ليلًا بسيارة خاصة نحو مكة المكرمة، وفي كل مرة يتنحى جانباً ليعانق هواءها ويضمها إلى صدره، ويتنفس الصعداء، ويخرج نفساً طويلاً. يتلذذ بتغلغل ذات التجربة التي جمعت الروحانية والمشقة الجسدية بين جوانحه، يتأملها ويتساءل، هذه هي أمنيتي، أصبحت واقعاً.
لا مدينة تُشبه مكة المكرمة والمشاعر المقدسة؛ فيها صحن المطاف مستودع للضياء، والكعبة المشرفة مرآة الطمأنينة، وكسوتها السوداء الفاخرة تاج من لؤلؤ يجدر بليلها، وعلى ضفافها مشهد الخشوع الذي نحس به.ما بعد مغادرة المصوّر الشاب إلى جدة ومنها إلى نيويورك، وحتى الآن، وعندما نقارن مع الصور في العصر الحاضر نتعلم أن للحج ربّان ولمكة والمشاعر المقدسة قيادة رشيدة، أفعالها في العناية بالحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة وخدمة قاصديها، أبلغ من كل قول، وأصبح الحجاج والمعتمرين يستظلون باهتمامها، الذي يحمل النموذج العالمي في التنظيم والإدارة والرعاية.
قيادة رشيدة في ظل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -أيده الله-، وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله-، وإصرار منها بمواصلة الجهود المباركة التي بذلها ملوك المملكة، منذ عهد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه-، في أداء شرف الواجب العظيم.
سيدي خادم الحرمين الشريفين، حفظه الله ورعاه، اللهمَّ اجعلِ الحرمين الشريفين في ظل قيادتكم أعوامَ تطور لا يخبو، وعزم في تحسين التجربة الإيمانية لا يلين، وأدم على الوطنِ هيبته وقوّتَه وصعوده بين الأمم.