د. طلال الحربي
ما إن أوشك موسم الحج لعام ألف وأربعمائة وسبعة وأربعين من الهجرة النبوية الشريفة على اختتام مشاهده الكبرى، حتى كانت الأرقام والصور والشهادات تتصاعد من كل حدب وصوب لتُعلن ما باتت عليه المملكة العربية السعودية من بلوغ في فن استضافة ضيوف الرحمن، وما أصبح يُميّز موسم الحج عاماً بعد عام من تراكم في التخطيط وارتقاء في الأداء وعمق في التفاصيل الإنسانية التي لا يراها الكاميرا ولا يُحصيها الإحصاء.
لم يكن هذا النجاح وليد المصادفة، ولم يكن ثمرة جهد ارتجالي أو قرار آني؛ بل هو حصيلة إرادة سياسية عليا تمتد جذورها من القمة إلى التفاصيل، وتعكس توجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود حفظه الله، الذي لم يتوقف يوماً عن التأكيد على أن خدمة الحرمين وضيوف الرحمن شرفٌ وواجب يسبق ما سواه. وعلى هذا الأساس الراسخ بنى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله منظومة خدمية متكاملة شملت المشاعر المقدسة بكاملها، وجعل من هذا الموسم العبادي الأعظم مثالاً يُحتذى في إدارة التجمعات البشرية الكبرى على مستوى العالم.وانهمرت مشاعر التهنئة على القيادة الرشيدة من كل ركن من أركان العالم و المملكة، وأصدق التبريكات إلى خادم الحرمين الشريفين وإلى سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، معترفين بما كان لتوجيهاتهم الكريمة وحرصهم وإشرافهم المباشر من الأثر الكبير في أن يؤدي حجاج بيت الله الحرام مناسكهم في خشوع ويسر وسهولة، مُسلّطين الضوء على ما وفرته الدولة من خدمات ومشاريع جديدة في المشاعر المقدسة، وما سخّرته من إمكانات وطاقات بشرية وتقنية لتقديم أرفع مستويات الخدمة وأرقاها لوفود الرحمن.وتلك التهاني ليست مجرد كلمات في مناسبة تقليدية، بل هي توثيق صادق لمشهد يعيشه كل متأمّل في مسيرة تطوير الخدمات المقدمة للحجاج. فالمملكة التي آثرت أن تجعل من خدمة الحرمين عنواناً لهويتها الحضارية، لا تزال تُجدد هذا الالتزام في كل موسم، وتُضيف إليه طبقة جديدة من التميز والابتكار.
وقد بلغ الحج في هذا العام من الانسيابية والتنظيم مستوىً استحق الإشادة الدولية الواسعة، إذ امتزجت الطاقات البشرية المتنوعة التي يسّرت أداء المناسك بالتقنيات الحديثة التي وظّفتها الجهات المعنية توظيفاً ذكياً لرصد الحشود وإدارة الطاقة الاستيعابية وتقليص نقاط الاحتقان التي طالما شكّلت التحدي الأكبر في المواسم الكبرى. وكان في ذلك كله ما يُبرهن على أن القرار السياسي الجاد متى توافر أنتج نتائج مبهرة تتجاوز التوقعات.
إن ما تحقق في موسم حج هذا العام لا يمكن عزله عن المسيرة الممتدة لمشاريع التوسعة والتطوير التي شهدتها المشاعر المقدسة تحت مظلة رؤية المملكة 2030، تلك الرؤية التي لم تكن يوماً مجرد برنامج واحد، بل كانت في جوهرها تعبيراً عن رغبة حضارية في أن ترقى المملكة بخدماتها إلى المستوى الذي يليق بمكانتها وتاريخها ومسؤوليتها تجاه المسلمين في شتى أنحاء المعمورة.
الحج اليوم لم يعد تجربة تعتمد على الصبر والتحمل وحدهما، بل أضحى تجربة تجمع بين العبادة الخاشعة والراحة الميسورة، بين الخشوع الروحي والسلاسة اللوجستية، وهذا المزيج النادر هو ما تسعى القيادة الحكيمة إلى ترسيخه وتعميقه في كل موسم.
وليس أدل على ذلك من أن ملايين الحجاج القادمين من أكثر من مئة وثمانين دولة عادوا إلى بلدانهم يحملون في قلوبهم ذكرى حجٍّ لا ينسى، وعلى ألسنتهم ثناءً على بلاد الحرمين وحُسن استقبالها.
نسأل الله تعالى أن يتقبل من الحجاج صالح أعمالهم، وأن يديم على المملكة العربية السعودية نعمة خدمة الحرمين الشريفين، وأن يُمدّ في عمر خادم الحرمين وولي عهده الأمين، ويُوفقهم لمواصلة هذا العطاء الذي لا يتوقف في خدمة الدين ورفعة الوطن.