مهدي العبار العنزي
مع غروب شمس ثالث أيام التشريق، طويت صفحة بيضاء من صفحات الزمان، وإيذانا بانتهاء موسم الحج لهذا العام 1447 هجريه، غادر ضيوف الرحمن المشاعر المقدسة، تاركين خلفهم في فيافي مكة وفجاجها دمعات التائبين، وزفرات المشتاقين، ودعوات صعدت إلى السماء حاسرة مستبشرة بالقبول والغفران. انتهى المشهد المهيب الذي تلاشت فيه كل الفوارق بين البشر؛ فلا لون، ولا عرق، ولا جاه، بل لباس واحد، وهتاف واحد يملأ الأفق: «لبيك اللهم لبيك».
إن انتهاء هذا الموسم العظيم يضعنا أمام وقفة تأمل عميقة تفيض بالفخر والاعتزاز. فما نراه عاما بعد عام من نجاح باهر في إدارة هذه الحشود المليونية ليس وليد المصادفة، بل هو ثمرة قصة كفاح وتخطيط وبذل ترعاها هذه البلاد المباركة، قيادة وشعبا، بكل أمانة واقتدار. فمنذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن -طيب الله ثراه- وحتى عهد خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين، والمملكة تضع خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما في صدارة أولوياتها ومسؤولياتها التاريخية التي تتشرف بحملها.
وهذا النجاح المستمر جعل من المملكة محط أنظار العالم الإسلامي بأسره، الذي ينظر بتقدير وإجلال وإعجاب لا ينقطع للدور الريادي والمحوري الذي تنهض به بلادنا. إن شعوب الأمة الإسلامية ومؤسساتها، من مشارق الأرض ومغاربها، ترى في المملكة العمق الإستراتيجي والقلب النابض لجسد الأمة، وتثمن عاليا تلك التوسعات التاريخية والمشاريع العملاقة التي تطوع التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي لتأمين سلامة الحجيج. إنها نظرة ملؤها الثقة والامتنان لبلد سخر مقدراته وإمكاناته لراحة ضيوف الرحمن، مما يرسخ مكانة المملكة كقائدة للتضامن الإسلامي وحامية للمقدسات.
لقد تجلت في هذا الموسم صور شتى من العطاء الإنساني والتفاني؛ حيث وقف رجال أمننا الأشاوس ومشاركة زملاء لهم في كافة القطاعات العسكرية وعلى مختلف مرتباتهم وتشكيلاتهم، والكوادر الطبية، والآلاف من المتطوعين والمتطوعات، كالبنيان المرصوص في خدمة الحجاج. رأينا العسكري يظلل طفلا، والطبيب يسند شيخا، والمتطوع يرش الماء البارد ليرطب به أجواء المشاعر، في لوحة وطنية وإنسانية فريدة تثبت للعالم أجمع أن «خدمة الحاج» هي وسام فخر يتوارثه أبناء هذا الوطن جيلا بعد جيل.
لقد انتهى موسم الحج كشعيرة وزمان، لكن أثره ومخرجاته الإيمانية لا تنتهي. يغادر الحجاج إلى بلدانهم تحفهم رعاية الباري عزوجل ثم رعاية هذه الدولة لهم ومشمولين بالأمن والايمان، يغادرون وهم يحملون في قلوبهم ذكريات لا تنسى، وصورة ناصعة البياض عن حقيقة الإسلام وسماحته، وعن جهود جبارة بذلت لتأمين سلامتهم وتيسير مناسكهم وسط منظومة رقمية وخدمية متكاملة واكبت تطلعات العصر واحتياجات الحشود.
حلو بدوله سالما من نصاها
كثر الجموع الوافده ما شحنها
نودع هذا الموسم والقلوب تلهج بالدعاء أن يتقبل الله من الحجاج حجهم، وأن يعيدهم إلى ديارهم سالمين غانمين، وأن يحفظ بلادنا ويديم عليها أمنها واستقرارها، لتظل كما كانت دوما، منارة للخير ومأرزا للإيمان، وقبلة تحتضن المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها بكل حب وسلام. تحية إكبار وإجلال لكل من رعى وأشرف ولكل جندي ومتطوع ولكل مواطن افتخر في ولاة أمره ووطنه وفتح قلبه لكل حاج وزائر ومعتمر، والله الهادي إلى سواء السبيل.