عبدالله سعد الغانم
حين أكتب عن أبي الغالي «سعد بن محمد الغانم» فإني أكتب وكلي خجل أكتب وكلي حياء أكتب وكلي أسف؛ لأني لن أوفيه حقه، لن أستطيع إحصاء مناقبه، لن أستطيع عدَّ مآثره سأظل عاجزًا وسيظل قلمي قاصرًا وسيظل بياني مهلهلاً أمام سيرة رجلٍ ناهز التسعين عامًا عاشها في كفاحٍ ومعاناةٍ وعصاميةٍ محتفظًا بسمو خلقه واستقامة ديانته لم يعرف دروب المشكلات فهو المسالم الصابر وإنْ أُخذ حقه المحب للناس كل الناس الوفي مع الناس كل الناس يسعى بما يستطيع لخدمتهم يقف مع المحتاج ويعين المكلوم ويكفل اليتيم ويُفرِّج عن المهموم ولم يُكتب الله له أن يكمل تعليمه النظامي ولكنه تعلَّم في مدرسة الحياة دروس الصبر والوفاء والأمانة والصلاح والكفاح وغيرها من الصفات الحميدة التي كان يتصف بها وقد كنتُ أنهل من معين علمه وخبرته في الحياة في جلستي المغربية اليومية معه، حيث نكون غالبًا بمفردنا ويروي لي من القصص والمواقف العجيبة التي مرَّ بها ومرَّ بها غيرها من أهل ذلك الزمان وكان محفوظه من الشعر الشعبي كثيرًا حيث يميل إليه ولديه شريط مراثي في الراحلين من أهل تمير أعدَّه مجموعة من شباب تمير الفضلاء كان يحب الاستماع إليه دائمًا متذكِّرًا أصحابه مستمتعًا بما قيل عنهم من ثناء وكان - رحمه الله -قديمًا خياطًا بارعًا حيث يملك مكينة خياطة في بيته ويفصِّل الثياب له ولأقاربه وأصدقائه، ويلجأ إليه في ذلك المتزوجون والمتزوجات ولا يأخذ مقابلاً على ذلك ويدعو لمن يبذل المعروف ويشارك الناس في أفراحهم إهداءً ومباركةً وفي أحزانهم مواساةً وتخفيفًا في قلبه الكبير رحمةٌ وأيُّ رحمة سريع الدمعة حفيٌّ بضيوفه وفيٌّ مع الناس ومع أقاربه وجيرانه وأصدقائه ومع أهل ودِّ أبيه وأمه هو أكثر وفاءً يواصلهم بالزيارة أو الاتصال والهدايا لا ينتظر رد الجميل من أحد وإنْ أُهدي شيئًا ردَّ بأحسن منه وأجزل حدثني ذات مرة أنها خرج من بيته بعد العشاء ليجلب الماء لجيرانه من إحدى الآبار ولم يرجع إلا قبيل الفجر بعد معاناة كبيرة كان بيته منذ القدم وأيام ضيق ذات اليد على وجه الخصوص ملتقى الأصدقاء والأحباب يأنس بهم ويفرح بزيارتهم ويحب مجالستهم كثيرٌ منهم حدثني عن ذكرياتهم مع أبي في تلك الحقبة السالفة ممتنين لهم شاكرين له حسن ضيافته مثنين على كرمه ورحابة صدره ولم يترك خصلة الكرم الحميدة حتى وفاته فبابه -رحمه الله- مفتوح للأضياف منذ الصباح الباكر وحتى ساعة متأخرة من المسايسعد كثيرًا بمن يشاركه الوجبات كان مخلصًا في عمله في المركز الصحي وكان بمثابة الأب الحاني للعاملين فيه من الأطباء والممرضين المغتربين خاصة يكرمهم ويلجأون إليه في الشدائد دون أن يتبرم حتى إنَّ كثيرًا منهم يتواصل معه بعد عودتهم إلى بلادهم بكل حبٍّ ووفاءٍ ووصلتنا تعازيهم الصادقة بعد وفاته.
وإن تحدثتُ عن صبره وكفاحه فهو جبلٌ في الصبر والتضحية سعى بما استطاع من قوة مع الاستعانة بالله لتوفير لقمة العيش الحلال له ولأهله وأولاده، وكان يحدثني عن صور من هذه المعاناة وكأنها أشبه بالخيال متعجبًا من صبره ومصابرته وجَلَدِه - جزاه الله عنا خير الجزاء-وقد أُصيب في عينيه فأجريت له العديد من العمليات فيها خارج المملكة وداخلها تعب كثيرًا منها حتى فقد عينيه وعاش بقية حياته كفيف البصر صابرًا محتسبًا الأجر من الله.
وإن تحدثتُ عن عبادته فهو المصلي العابد قائم الليل مكانه روضة المسجد لم يترك الصلاة في المسجد إلى يوم وفاته مع تعبه الشديد آخر أيامه يصلي الفريضة والنافلة واقفًا مع صعوبة بالغة وحين أراه يتحامل في الوقوف للصلاة أتعجب من همته وعزيمته وهو في هذه السن الكبيرة وإنْ طلبنا منه ألا يكلف على نفسه ويصلي في البيت يرفض رفضًا شديدًا، وقد كان يفرح فرحًا كبيرًا حين أختم القرآن بجماعة المسجد في رمضان حيث يكافئوني بالشكر والدعاء الذي ينشرح له صدري ويطير به قلبي جذلاً، وإني لآسف أني سأفقد هذه المكافأة الغالية بعد وفاته- رحمه الله- وكان من أهل الصيام على كبر سنه ومع ما يعانيه من مرض السكر لا يفرط فيه وما فيه من أجر وكان في الصدقة والإحسان آية حيث كان ممن ماله في يده لا في قلبه وكان من مواقفه في الصدقة أنه عصر كل جمعة يذهب إلى سوق الخضار ويشتري كميات كبيرة من الخضار ويوزعها على أقاربه وجيرانه وغيرهم من المحتاجين ولم يترك هذا الأمر حتى قبل وفاته بيوم حيث توفي مساء السبت الثاني والعشرين من الشهر الحادي عشر من عام ألفٍ وأربع مئةٍ وسبعةٍ وأربعين وهو بارٌّ بوالديه مخلصًا لهما واصلاً لأرحامه محبًا لهم يسأل عن المريض ويهنئ المتزوج ويواسي المكلوم ويسعى في قضاء حاجة المحتاج يبادرهم جميعًا نساءً ورجالاً صغارًا وكبارًا ويدعو لهم ولا ينظر إلى أنه الكبير والحق له وقد كان أكبر الأسرة بعد وفاة أعمامي-رحمهم الله وإياه- يحب اجتماعهم ويحرص عليه في نشاطه وحتى بعد تعبه وإن لم يستطع الحضور حثَّ أولاده مؤكِّدًا على المشاركة في اجتماعات الأسرة نيابةً عنه ومن مآثره العظيمة كفالته للأيتام حيث كفل أولاد عمتي المتوفاة في حادث سير وحرص عليهم حرصًا شديدًا وعاشوا معه في بيته سنين عددًا حتى كبروا وتزوجوا وقد عاش للآخرة لا للدنيا فبفضل الله تعالى ثم هذه المناقب الكريمة والأخلاق الراقية التي اتصف بها والدي ظفر بمحبة الناس والسمعة الحسنة والذكر الطيب ولعله ممن ينطبق عليه قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا}، ورأينا هذا الحب عيانًا -ولله الحمد- في جنازته المشهودة حين امتلأ الجامع ورحابه بالمصلين الذين جاءوا من كل حدبٍ وصوب مما كان أحد أسباب تخفيف مصابنا في فقده ورحيله عنا إلى الدار الآخرة سائلاً الله تعالى أن يتقبل ما دعت له هذه الجموع المباركة وأيرحمه رحمةً واسعةً و يغفر له ويجعل قبره روضة من رياض الجنة ويسكنه الفردوس كما أسأله سبحانه أن يربط على قلوبنا لفراقه ويجعلنا من الصابرين.
** **
تمير - سدير