د. جمال الراوي
جاءني أحد البدو إلى العيادة في يومٍ من أيّام الشتاء القاسية، وكان يرتدي «فروة» سميكة يتّقي بها شدّة البرد. وكانت شكواه آلامًا في الظهر، فطلبتُ منه أن يخلع الفروة وبعض ملابسه لأتمكّن من فحصه. وما إن ألقى الفروة جانبًا حتّى سقطت منها حيّةٌ صغيرة صفراء اللون، أخذت تتلوّى على الأرض.
وكان للممرّضة نصيبٌ من المفاجأة أيضًا؛ إذ بدأت تتلوّى هي الأخرى من الخوف والصراخ، ثمّ اندفعت خارجةً من العيادة هاربة، بينما كانت الحيّة تشقّ طريقها نحو ممرّ العيادات. وعلى إثر الجلبة والصياح، تجمّع الأطبّاء والممرّضون لمعرفة ما حدث، ولم تمضِ سوى لحظاتٍ قليلة حتّى تمّت السيطرة على الحيّة والتخلّص منها.
أمّا البدويّ، فكان يقف مذهولًا ممّا جرى، وكأنّه أدرك في تلك اللحظة أنّ فروته كانت ملقاةً في زاويةٍ من البيت أو الخيمة، فدخلت إليها الحيّة دون أن يشعر بها، ثمّ حملها على كتفيه على عجلٍ دون أن ينتبه لما يختبئ بين ثناياها.
وقبل سنواتٍ عديدة، وقع لي موقفٌ مشابه، وإنْ كان بطله هذه المرّة عقربًا لا حيّة.
فقد ذهبتُ في أحد فصول الشتاء إلى شراء بطّانيّة جديدة، لأنّي كنتُ أسكن وحدي، وكان البرد شديدًا، فاحتجتُ إلى مزيدٍ من الأغطية. وبعد أن اخترتُ نوعًا أعجبني، طلبتُ من صاحب المحلّ لونًا محدّدًا، فبحث عنه داخل المحلّ فلم يجده، ثمّ دخل إلى المستودع وأحضره لي.
عدتُ إلى المنزل سعيدًا ببطّانيّتي الجديدة، ونمتُ ليلتي مطمئنًّا مستمتعًا بدفئها ونعومتها. لكنّ هذه السعادة لم تدم طويلًا؛ إذ استيقظتُ في الصباح على مشهدٍ لم أكن أتوقّعه، فقد رأيتُ عقربًا متشبّثًا بطرف البطّانيّة المتدلّي من السرير.
حينها أصابتني حالةٌ من الذهول تشبه ما أصاب ذلك البدويّ من قبل، وحمدتُ الله تعالى أنْ مرّت الليلة بسلام. فقمتُ بنفض الفراش والبطّانيّة مرّاتٍ عديدة، أمّا العقرب فقد كان مصيرها القتل؛ لأنّها من المؤذيات التي أذن الشرع في قتلها.
وقد ورد في الصحيحين عن أمّ المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ».
والكثير منّا ينسى نفض الفراش قبل النوم، مع أنّها من السنن النبويّة الشريفة. وربّما يظنّ بعض الناس أنّها لم تعد ذات أهمّيّة في البيوت الحديثة التي تخلو ـ في الغالب ـ من الحشرات والدوابّ التي كانت مألوفة في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم، حين كانت الحياة أقرب إلى الصحراء والبادية.
غير أنّ المسلم يؤجر على اتّباع السنّة سواء أدرك الحكمة منها أم لم يدركها، فضلًا عن أنّ الاحتياط للنفس من الأذى مطلوبٌ في كلّ زمانٍ ومكان.
وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه في صحيح مسلم أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَأْخُذْ دَاخِلَةَ إِزَارِهِ فَلْيَنْفُضْ بِهَا فِرَاشَهُ، وَلْيُسَمِّ اللَّهَ، فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا خَلَفَهُ بَعْدَهُ عَلَى فِرَاشِهِ...».
على أنّ الأمر لا يقتصر على الفراش وحده، فقد سمعتُ بعض الناس ينصح بتفتيش الحذاء وقلبه قبل انتعاله، ولا سيّما في البيئات الصحراويّة أو الأماكن التي تكثر فيها الحشرات والزواحف، إذ قد تدخل إليه بعض المؤذيات دون أن يشعر صاحبُه بها.
ولم أقف على نصٍّ شرعيٍّ خاصٍّ في ذلك، لكنّ الاحتياط مطلوب، والتجارب التي يمرّ بها الإنسان في حياته تعلّمه أحيانًا أنّ كثيرًا من السنن والتصرّفات الوقائيّة البسيطة قد تجنّبه أذىً كبيرًا لم يكن يتوقّعه.
ولعلّ من أجمل ما في السنّة النبويّة أنّها لا تعلّم الإنسان أمور الآخرة فحسب، بل تعلّمه كذلك كيف يعيش دنياه بأمانٍ وطمأنينة. فقد يبدو نفض الفراش عملًا يسيرًا لا يستغرق سوى ثوانٍ معدودة، لكنّه يجمع بين طاعة الله، واتّباع هدي نبيّه صلى الله عليه وسلم، والأخذ بأسباب السلامة. وهكذا كانت السنّة؛ هدايةً للروح، وحفظًا للجسد، ورحمةً بالإنسان في شؤون حياته كلّها.
وما أكثر ما يكتشف المرء بعد سنواتٍ من التجارب أنّ بعض الأعمال الصغيرة التي كان يراها عاديّة أو غير مهمّة، إنّما تخفي وراءها حكمًا عظيمةً لا تظهر إلّا لمن عاش الحياة وتأمّل أحداثها. فسبحان من أوحى إلى نبيّه هذا الهدي المبارك، وجعل في اتّباعه خير الدنيا والآخرة.