جانبي فروقة
علق روبرت فوجر Robert Foger الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عن دور السكك الحديدية في نهضة أمريكا قائلا: «كانت السكك الحديدية أهم عامل منفرد في النمو الاقتصادي الأمريكي خلال القرن التاسع عشر»، وقال المؤرخ الأمريكي جون غوردون John Gordon «لقد خلقت السكك الحديدية أول سوق وطنية موحدة وحولت الاقتصاد الأمريكي» وكما علق المؤرخ الاقتصادي البريطاني نيال فيرغسون NIALL Ferguson «كانت السكك الحديدية هي انترنت القرن التاسع عشر» وفي منتصف القرن التاسع عشر لم يكن المستثمرون يتسابقون لشراء أسهم شركات السكك الحديدية لأنها تملك قطارات أسرع فحسب بل لأنهم أدركوا أنها تبني شيئا أكبر بكثير وهو البنية التحتية التي سيقوم عليها اقتصاد المستقبل واليوم وبعد أكثر من 150 عاماً يبدو أن العالم يقف أمام لحظة مشابهة لكن هذه المرة ليست على الأرض بل في الفضاء فشركة سبيس إكس Space X التي أسسها إيلون ماسك عام 2002م لم تعد مجرد شركة تطلق الصواريخ أو تنقل الأقمار الصناعية إلى المدار بل أصبحت مشروعا ضخما يحاول بناء اقتصاد جديد بالكامل اقتصاد يمتد من الأرض إلى الفضاء ومن الإنترنت إلى الذكاء الاصطناعي وربما يوما ما إلى المريخ ومع اقتراب الحديث عن أكبر اكتتاب عام محتمل في التاريخ بتقييم قد يقترب من تريليوني دولار يطرح المستثمرون سؤالا جوهريا هل نحن أمام شركة استثنائية ستعيد تشكيل الاقتصاد العالمي أم أمام حلم ضخم ما زال يستهلك الأموال أكثر مما يحقق الأرباح؟
نجح إيلون ماسك على مدار العقدين الماضيين من تحويل عملية إطلاق الصواريخ إلى الفضاء في سبيس إكس من مشروع حكومي معقد ومكلف إلى خدمة تجارية يمكن الاعتماد عليها بشكل متكرر ويعود الفضل إلى الرهان الذي وضعه إيلون ماسك منذ البداية على إعادة استخدام الصواريخ فقبل ظهور سبيس إكس كانت معظم الصواريخ تُستخدم لمرة واحدة فقط ثم تتحول إلى خردة بعد انتهاء المهمة فقد كان الأمر يشبه التخلص من طائرة ركاب عملاقة بعد كل رحلة جوية وبطبيعة الحال كانت النتيجة تكاليف هائلة تجعل الوصول إلى الفضاء حكرًا على الحكومات الكبرى لكن مع صاروخ «فالكون 9» تغيرت المعادلة بالكامل فقد تمكنت الشركة من إعادة استخدام المعززات الصاروخية عشرات المرات وقد سجل أحدها 34 رحلة إطلاق ناجحة وتشير تقديرات وكالة ناسا إلى أن تكلفة الإطلاق انخفضت من نحو 18,500 دولار للكيلوغرام الواحد إلى ما يقارب 2,700 دولار فقط، أي تراجع بنحو 85%. وهذا الإنجاز لم يكن مجرد نجاح هندسي بل كان تحولا اقتصاديا حقيقيا فكما خفضت السكك الحديدية تكلفة نقل البضائع بين المدن خفضت سبيس إكس تكلفة الوصول إلى الفضاء وأصبحت الشركة لا تبيع الصواريخ فقط بل تبني البنية التحتية التي تجعل النشاط الاقتصادي في الفضاء ممكنًا ومجديًا من الناحية التجارية.
ما يميز سبيس إكس اليوم أنها لم تعد تعتمد على نشاط واحد بل على ثلاثة محركات مترابطة تدفع الشركة إلى الأمام والقطاع الأول فيها هو قطاع الفضاء ويضم صواريخ فالكون ومركبات دراغون ومشروع ستارشيب العملاق إضافة إلى عقود الإطلاق مع وكالة ناسا ووزارة الدفاع الأمريكية والعملاء التجاريين حول العالم أما القطاع الثاني فهو قطاع الاتصالات المتمثل في شبكة ستارلينك التي توفر خدمات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية للأفراد والشركات والحكومات في حين يتمثل القطاع الثالث في منظومة الذكاء الاصطناعي التي تشمل xAI وروبوت المحادثة Grok ومنصة X والبنية التحتية الحاسوبية المرتبطة بها ومن الناحية الاستثمارية لا يمكن فهم سبيس إكس دون فهم العلاقة بين هذه القطاعات الثلاثة، فكل قطاع يؤدي وظيفة مختلفة داخل المنظومة الاقتصادية للشركة فالصواريخ تبني وتمهد الطريق وستارلينك هي ماكينة النقد الحالية وأما الذكاء الاصطناعي فيمثل الرهان المستقبلي الكبير ورغم أن الأضواء الإعلامية تتركز عادة على الصواريخ ومشروعات المريخ فإن المستثمرين يعلمون أن القيمة الاقتصادية الحقيقية للشركة تأتي اليوم من ستارلينك Starlink حيث أن الخدمة التي تقدمها ستارلينك جعلتها اليوم أكبر شبكة إنترنت فضائي في العالم وتخدم أكثر من 10.3 ملايين مشترك في 164 دولة والأهم أن الشركة تمتلك نحو 9,600 قمر صناعي في المدار وهو رقم مذهل يمثل ما يقارب 75% من إجمالي الأقمار الصناعية النشطة والقابلة للمناورة حول الأرض وهذا الحجم الهائل من البنية التحتية يمنح سبيس إكس ميزة تنافسية يصعب على المنافسين مجاراتها فكل قمر جديد يتم إطلاقه يزيد من جودة الشبكة واتساع تغطيتها ما يجذب مزيدًا من العملاء ويعزز الإيرادات لذلك ينظر كثير من المحللين إلى ستارلينك باعتباره الأصل الأكثر قيمة داخل المجموعة بأكملها بل إن بعض التقديرات ترى أن قيمته وحده قد تبرر جزءًا كبيرًا من التقييم المستهدف للشركة وإذا كان ستارلينك يمثل الحاضر فإن مشروع ستارشيب يمثل المستقبل فالمركبة العملاقة التي لا تزال قيد التطوير تهدف إلى نقل كميات ضخمة من الحمولة إلى المدار بتكلفة أقل بكثير من أي نظام إطلاق موجود حاليًا ونجاح هذا المشروع لن يعني فقط زيادة أرباح قطاع الإطلاق بل قد يفتح الباب أمام صناعات جديدة بالكامل مثل مراكز البيانات الفضائية والتصنيع في الجاذبية المنخفضة والسياحة الفضائية ومشروعات استكاف المريخ ولهذا السبب لا يتعامل المستثمرون مع ستارشيب باعتباره مجرد صاروخ جديد بل باعتباره منصة اقتصادية قد تعيد رسم حدود الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة لكن هذا الرهان لا يخلو من المخاطر فالمشروع لا يزال في مرحلة التطوير ويحتاج إلى استثمارات ضخمة قبل أن يصل إلى مرحلة التشغيل التجاري الكامل.
حققت سبيس إكس إيرادات بلغت نحو 18.7 مليار دولار خلال عام 2025 م بنمو سنوي تجاوز 33% لكن الشركة أنفقت في المقابل 20.7 مليار دولار على الاستثمارات ما يعني أنها لا تزال في مرحلة توسع كثيف تتطلب ضخ أموال كبيرة والتحول الأبرز في ملف الطرح للاكتتاب يتمثل في إدماج شركات الذكاء الاصطناعي التابعة لإيلون ماسك ضمن هيكل سبيس إكس فقد أصبحت الشركة تمتلك مصادر هائلة للبيانات والحوسبة والاتصال ومن الواضح أن ماسك لا يريد بناء شركة فضاء فقط بل يسعى إلى إنشاء منظومة متكاملة تجمع البيانات والاتصالات والحوسبة والإطلاق الفضائي في كيان واحد ورغم أن هذا التوجه يفتح فرص نمو ضخمة فإنه يفسر أيضا سبب الارتفاع الكبير في الإنفاق المالي للشركة خلال السنوات الأخيرة والتقييم الذي يتراوح بين 1.5 و2 تريليون دولار لا يعتمد على الأرباح الحالية بقدر ما يعتمد على توقعات المستقبل إنه رهان على أن ستارلينك سيواصل توليد التدفقات النقدية وأن ستارشيب سيخفض تكلفة الوصول إلى الفضاء بصورة جذرية وأن الذكاء الاصطناعي سيضيف محرك نمو جديدًا عالي الربحية وإذا نجحت هذه الرهانات الثلاثة معًا فقد يبدو تقييم الشركة منطقيًا بعد سنوات قليلة أما إذا تعثر أحد هذه المحركات الرئيسة فقد يجد المستثمرون أنفسهم أمام شركة ذات طموحات استثنائية لكن بتكاليف ضخمة يصعب تبريرها. والمهم أنه لا تكمن أهمية سبيس إكس في عدد الصواريخ التي تطلقها سنويًا ولا في عدد الأقمار الصناعية التي تضعها في المدار بل في أنها تبني البنية التحتية التي قد يعتمد عليها اقتصاد الفضاء بأكمله خلال العقود المقبلة وإذا كانت ستارلينك قد استمتعت لسنوات بصدارة شبه منفردة في سوق الإنترنت الفضائي فإن أمازون قررت أخيراً دخول الحلبة بثقلها المالي واللوجستي عبر مشروع «Amazon Leo»، في خطوة تعكس إصرار مؤسسها جيف بيزوس Jeff Bezos على انتزاع موطئ قدم في اقتصاد الفضاء الذي طالما هيمن عليه إيلون ماسك Elon Musk ورغم أن الفارق ما زال كبيراً لصالح سبيس إكس من حيث عدد الأقمار الصناعية والخبرة التشغيلية وهيمنة الإطلاقات التجارية فإن التاريخ الاقتصادي يعلمنا أن الأسواق نادراً ما تبقى حكراً على لاعب واحد فالمنافسة التي تبدأ اليوم على المدار قد تتحول غداً إلى حرب أسعار وابتكار تعيد رسم خريطة الاقتصاد الفضائي بأكمله.
لم تكن السكك الحديدية في القرن التاسع عشر مجرد قضبان حديدية وكذلك سبيس إكس فهي ليست مجرد شركة صواريخ بل هي محاولة لبناء الطريق الذي ستسير عليه صناعات المستقبل من الإنترنت العالمي إلى الذكاء الاصطناعي وصولًا إلى المريخ ولهذا السبب تحديدًا قد يكون الاكتتاب المرتقب لسبيس إكس أكثر من مجرد حدث مالي فقد يكون لحظة مفصلية في تاريخ الاقتصاد العالمي.