عمرو أبوالعطا
يظل الانتحار واحدًا من أكثر الأفعال الإنسانية غموضًا وإرباكًا، لأنه يجمع في لحظة واحدة بين الإرادة واليأس، وبين الرغبة في النجاة والرغبة في الانطفاء، وبين صرخة استغاثة أخيرة وصمت نهائي لا يجيب عن شيء.
ومن هنا جاء اهتمام الفلاسفة والأطباء النفسيين وعلماء الاجتماع بهذه الظاهرة، لا بوصفها فعلًا فرديًا معزولًا، وإنما كمرآة تكشف هشاشة الإنسان حين يضيق به العالم، وتكشف كذلك حدود المجتمع حين يعجز عن احتواء ألمه.
الانتحار في جوهره لا يبدأ عند الحافة الأخيرة، ولا يولد في الدقيقة التي يقرر فيها الفرد إنهاء حياته، يبدأ قبل ذلك بوقت طويل، حين تتراكم الخسارات الصغيرة، ويتحول الإحباط إلى بنية نفسية، ويصير الألم رفيقًا يوميًا، ثم يفقد الإنسان قدرته على تخيل غد مختلف.
كان سيغموند فرويد من أوائل من حاولوا إدخال الانتحار إلى حقل التحليل النفسي. رأى فرويد أن الإنسان يحمل في داخله صراعًا دائمًا بين نزعتين؛ نزعة الحياة التي تدفع إلى الحب والبناء والاستمرار، ونزعة الموت التي تميل إلى الهدم والعودة إلى السكون. وعندما يتعرض الفرد لفقد شديد، كخسارة حبيب أو مكانة أو صورة ذاتية، قد يتحول الغضب الموجه إلى الخارج نحو الداخل، فيصبح الأنا ساحة للعقاب. فالمنتحر لا يقتل نفسه فقط، بل يعاقب موضوعًا داخليًا تم التماهي معه. من هذا المنظور يصبح الانتحار عدوانًا موجَّهًا إلى الذات بعد أن تعذر توجيهه إلى العالم.
هذه الرؤية تكشف جانبًا عميقًا من الظاهرة. فكثير من المنتحرين يحملون شعورًا جارحًا بالذنب، ويعيشون حالة من المحاكمة الداخلية القاسية. الذات تتحول إلى قاضٍ وجلاد في آن واحد. ومن ثم فإن الانتحار قد يظهر كحكم نهائي أصدرته نفس منقسمة على نفسها. غير أن التحليل النفسي، رغم عمقه الرمزي، لم يكن كافيًا وحده لتفسير كل الحالات، إذ بقيت الحاجة قائمة إلى نماذج تفسر كيف يفكر الإنسان وهو في قلب الأزمة.
هنا جاءت المدرسة المعرفية مع آرون بيك، الذي نقل الاهتمام من اللاوعي إلى الأفكار الواعية المشوهة. رأى بيك أن الاكتئاب والانتحار يرتبطان بما سماه الثالوث المعرفي السلبي؛ نظرة سوداء إلى الذات، ونظرة عدائية إلى العالم، ونظرة ميؤوسة إلى المستقبل. الشخص يقول في داخله؛ أنا عديم القيمة، الناس قساة أو غير مبالين، والغد لن يحمل أي تغيير. وعندما تتماسك هذه الأفكار داخل الذهن، يصبح الانتحار احتمالًا منطقيًا في نظر صاحبه، ليس حباً في الموت، لكن لأنه فقد القدرة على رؤية البدائل.
الأهمية الكبرى عند بيك كانت لمفهوم اليأس. فالحزن قد يحتمل، والألم قد يحتمل، لكن اليأس هو ما يجعل المعاناة تبدو أبدية. الإنسان يستطيع احتمال الشدة إذا صدق أن لها نهاية، أما إذا اقتنع أن الطريق مسدود إلى الأبد، فإن الرغبة في الانسحاب تشتد. لذلك اعتبر بيك أن اليأس من أقوى المتنبئات بالخطر الانتحاري، أحيانًا أكثر من شدة الاكتئاب نفسه.
هنا، تظهر التشوهات المعرفية بوضوح. فالفرد قد يسقط في التفكير المطلق؛ نجاح كامل أو فشل كامل، حب كامل أو رفض كامل، قيمة مطلقة أو عدمية كاملة. وقد يعمم حادثة واحدة على الحياة كلها، فيرى رسوبه في اختبار دليلًا على انهيار مستقبله، أو نهاية علاقة عاطفية برهانًا على استحالة الحب. فالعقل بذلك لا يعمل بموضوعية، بل تحت ضغط انفعالي يجعل الرؤية ضيقة والنوافذ مغلقة.
ثم جاء إدوين شنيدمان، الذي يعتبره الكثيرون الأب الروحي لعلم الانتحار الحديث، ليمنح النقاش بعدًا إنسانيًا بالغ الأهمية. رفض شنيدمان اختزال الانتحار في التشخيصات أو الإحصاءات، ورأى أن جوهر المسألة هو ما سماه Psychache، أي الألم النفسي غير المحتمل. هذا الألم قد ينشأ من الخزي، أو الفقد، أو الإذلال، أو الوحدة، أو الإحساس بالفشل، أو جراح الطفولة القديمة. الشخص المنتحر، في نظره، لا يريد إنهاء حياته بقدر ما يريد إنهاء وعيه بهذا الألم.
هذه الفكرة تقلب كثيرًا من التصورات الشائعة. فالانتحار هنا ليس حبًا للموت، وإنما هروب من عذاب لا يُطاق. لذلك فإن كثيرًا من الأشخاص الذين تم إنقاذهم لاحقًا عبّروا عن امتنانهم لأنهم نجوا، ما يدل على أن الرغبة في الموت لم تكن مستقرة، كانت موجة حادة من الرغبة في توقف الألم. ومن هنا تظهر أهمية التدخل السريع، لأن الأزمة كثيرًا ما تكون عابرة أكثر مما تبدو.
أما إميل دوركايم، فقد قدّم قراءة اجتماعية كلاسيكية ما زالت مؤثرة حتى اليوم. رأى أن الانتحار ليس شأنًا نفسيًا فرديًا فقط، ويرتبط بدرجة اندماج الفرد في المجتمع وبدرجة انتظام القواعد الاجتماعية. فحين يضعف الاندماج يظهر الانتحار الأناني، حيث يشعر الفرد بالعزلة وانقطاع الروابط. وحين يطغى الاندماج قد يظهر الانتحار الإيثاري، حيث يذوب الفرد في الجماعة إلى حد التضحية بنفسه. وحين تنهار المعايير في أزمنة الاضطراب الاقتصادي أو السياسي يظهر الانتحار الأنومي، حيث يفقد الناس بوصلتهم. وهناك أيضًا الانتحار القدري الناتج عن القهر الشديد وانسداد الأفق.
أهمية دوركايم تكمن في أنه نبّه إلى أن المجتمع قد يكون منتجًا لليأس بقدر ما هو عاجز عن علاجه. فالفرد الذي يفقد عمله، أو يعيش تهميشًا مزمنًا، أو يتحرك في عالم سريع التغير بلا سند، قد يجد نفسه في فراغ معياري عميق. وهكذا يصبح الانتحار أحيانًا عرضًا لمرض اجتماعي أوسع.
وفي القرن الحديث ظهرت نماذج أكثر تركيبًا، منها نظرية توماس جوينر للعلاقات البينية. جوينر رأى أن الرغبة الانتحارية تنشأ عندما يجتمع عاملان؛ الانتماء المحبط، أي شعور الشخص بأنه لا ينتمي إلى أحد، وإدراك العبء، أي اعتقاده أن وجوده يرهق الآخرين. لكن هذين العاملين لا يكفيان وحدهما، إذ يحتاج التنفيذ إلى عامل ثالث هو القدرة المكتسبة، أي تراجع الخوف من الألم والموت بفعل التعرض السابق للصدمات أو الجروح أو المواقف القاسية.
هذه النظرية تفسر لماذا يفكر كثيرون ولا ينفذون، ولماذا ينفذ بعضهم فجأة. فالشاب الذي يشعر بالعزلة وأنه عبء قد يحمل الرغبة، لكن من عاش خبرات قاسية جعلته أكثر اعتيادًا على الألم قد يمتلك القدرة أيضًا. هنا تصبح الوقاية مرتبطة بإعادة بناء الانتماء وتصحيح تصور العبء، إلى جانب إبعاد الوسائل الخطرة.
روري أوكونور قدم بدوره النموذج التحفيزي الإرادي، مركزًا على مفهوم الحصار النفسي. الشخص يمر أولًا بشعور الهزيمة، ثم يفسر وضعه على أنه فخ لا مخرج منه، فينشأ القصد الانتحاري. بعد ذلك تأتي المرحلة الإرادية، حيث تلعب الاندفاعية، والوصول إلى الوسيلة، والقدرة على التنفيذ، دورها في تحويل الفكرة إلى فعل. هذا النموذج شديد الأهمية لأنه يوضح أن الشعور بعدم وجود مخرج هو لبّ الأزمة.
ومن هنا نفهم لماذا ينقذ الحوار أحيانًا حياة كاملة. لأن فتح احتمال واحد جديد، أو تذكير الشخص بأن الأزمة مؤقتة، أو توفير مساعدة عملية، يكسر شعور الحصار ويعيد توسيع الأفق.
فيكتور فرانكل أضاف بعدًا وجوديًا عميقًا حين تحدث عن المعنى. الإنسان يستطيع احتمال مشقة هائلة إذا وجد سببًا يعيش من أجله، لكنه ينهار سريعًا حين يفقد المعنى. الفراغ الوجودي، في المجتمعات الحديثة، صار عاملًا مهمًا؛ نجاح مادي بلا مغزى، علاقات كثيرة بلا عمق، حركة دائمة بلا غاية. وحين يسأل الفرد نفسه لماذا أعيش ولا يجد جوابًا، يبدأ اليأس في التمدد.
التحليل السريري يكشف أيضًا دور الكمالية. فبعض الأشخاص يربطون قيمتهم الشخصية بالإنجاز الكامل. أي خطأ صغير يتحول في عقولهم إلى انهيار أخلاقي أو فضيحة وجودية. الطالب المتفوق الذي يرسب مرة قد يرى نفسه قد انتهى، والطبيب الذي يخطئ خطأ محدودًا قد يشعر أنه فقد شرعيته كلها. الكمالية تجعل الذات محكمة بلا رحمة.
كما تلعب الصدمات المبكرة دورًا مهمًا. الطفل الذي نشأ في بيئة إهمال أو عنف أو رفض مزمن قد يحمل في داخله اعتقادًا عميقًا بأنه غير مستحق للحب. هذا الاعتقاد قد يظل صامتًا سنوات، ثم يستيقظ عند أول خسارة كبيرة. لذلك يبدو الانتحار أحيانًا مرتبطًا بحادثة راهنة، بينما جذوره ممتدة في زمن أقدم بكثير.
ومن الزوايا المهمة كذلك فهم الاندفاعية. بعض الأزمات الانتحارية تحدث خلال دقائق من قرار مفاجئ. هنا لا يكون الشخص قد خطط طويلًا، وإنما اجتمع ألم حاد مع وسيلة متاحة وضعف مؤقت في الكبح النفسي. لهذا أثبتت الدراسات أن تقييد الوصول إلى الوسائل من أكثر التدخلات نجاحًا. لأن مجرد تأخير الفعل يمنح الانفعال فرصة للهبوط.
في العصر الرقمي ظهرت طبقات جديدة للمشكلة. وسائل التواصل الاجتماعي صنعت مسرحًا دائمًا للمقارنة. الفرد يرى نجاحات الآخرين المعدلة والمنتقاة، ويقارنها بتعثره اليومي الخام. كما أن التنمر الإلكتروني جعل الإذلال أسرع انتشارًا وأطول عمرًا. وفي المقابل، أتاحت التكنولوجيا العلاج عن بعد، ومجموعات الدعم، وإمكان الوصول إلى مصادر المساعدة بسهولة أكبر.
في المجتمعات العربية، توجد خصوصية واضحة. الروابط الأسرية والإيمان الديني والتكافل الاجتماعي تمثل عوامل حماية حقيقية. لكنها قد تترافق أحيانًا مع وصمة تجاه المرض النفسي، أو خوف من الحديث عن الأفكار الانتحارية، أو ميل إلى الإنكار حفاظًا على السمعة. وهكذا قد يمتلك المجتمع عناصر نجاة قوية، لكنه يحتاج إلى شجاعة أكبر في الاعتراف بالألم.
أما لغة التعامل مع الشخص المعرض للخطر، فيجب أن تكون بعيدة عن الوعظ القاسي أو الاتهام. الشخص في تلك اللحظة لا يحتاج محاكمة، يحتاج احتواءً وإصغاءً ومرافقة إلى المساعدة المهنية. السؤال المباشر الرحيم أكثر نفعًا من الصمت، والوجود الإنساني الهادئ أكثر أثرًا من النصائح المجردة.
الوقاية الحديثة تقوم على مستويات متعددة؛ علاج نفسي ودوائي متاح، تدريب المدارس وأماكن العمل على اكتشاف الخطر، دعم الأسر، وتقييد الوسائل الخطرة. كما أن الإعلام يتحمل مسؤولية كبرى، لأن التغطية المثيرة قد تخلق عدوى تقليدية، بينما قصص التعافي تصنع ما يسمى تأثير باباجينو، أي تقوية الأمل عبر عرض بدائل للحياة.
يبقى أن نقول إن الانتحار ليس لغزًا مستحيل الفهم، ولا قدرًا محتومًا، ولا علامة ضعف أخلاقي. في الأغلب نهاية مؤلمة لمسار من العذاب غير المعالج. وكلما فهمنا هذا المسار مبكرًا، أمكن تغييره قبل الوصول إلى الحافة.
سيكولوجية الانتحار تعلمنا شيئًا بالغ الأهمية؛ الإنسان قد ينهار حين يشعر أنه بلا معنى، وبلا انتماء، وبلا مخرج، لكنه يستعيد نفسه حين يجد من يراه، ومن يسمعه، ومن يصدّق أن ألمه حقيقي، ومن يفتح أمامه نافذة واحدة نحو الغد. أحيانًا تكون النجاة كلها مختبئة في تلك النافذة الصغيرة.