د. عبدالمحسن الرحيمي
في مطلع عام 2025، لم أكن أبحث عن تأسيس مدرسة قيادية ولا عن صياغة مشروع فكري جديد، بل كنت منغمسًا في سياق علمي دقيق يتقاطع فيه تخصصي في الفارمكوجينومكس مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي في اكتشاف الدواء، حيث ينصب الاهتمام على فهم الفروق الجينية في الاستجابة العلاجية وبناء نماذج أكثر دقة في التنبؤ، غير أن سؤالًا واحدًا جاء من خارج هذا الإطار العلمي كان كفيلًا بإعادة تشكيل مسار التفكير بالكامل، حين سأل أحد الأكاديميين المخضرمين عمَّا إذا كان نجاح القيادة في المملكة العربية السعودية ناتجًا عن تبني إحدى المدارس القيادية العالمية أم أن هناك سببًا آخر أكثر عمقًا، ولم تكن إجابتي حينها تحليلًا نظريًا ولا استدعاءً لمراجع إدارية، بل جاءت بوصفها استجابة معرفية تلقائية نابعة من الوعي التاريخي حين أكدت أن المملكة لا تتبع مدرسة مستوردة، بل تنتمي إلى مدرسة الملك عبدالعزيز -طيَّب الله ثراه- وهي إجابة لم تُغلق السؤال بقدر ما أعادت تعريفه، لأن هذا التوصيف في جوهره يتجاوز كونه رأيًا فرديًا ليجد امتداده فيما عبَّر عنه الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود حين أشار بوضوح إلى أنه لم يتخرَّج من مدارس قيادية غربية كأكسفورد أو هارفارد، بل هو خريج مدرسة الملك عبدالعزيز، وهو تصريح لا يُقرأ بوصفه تعبيرًا بلاغيًا بقدر ما يُفهم بوصفه إقرارًا ضمنيًا بوجود نموذج قيادي مكتمل لم يُصغ بعد ضمن الأدبيات العالمية، كما يتقاطع هذا المعنى مع ما أكده محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود حين وصف المملكة بأنها أعظم قصة نجاح في القرن الحادي والعشرين، وهي عبارة لا تُقرأ بوصفها إنجازًا تنمويًا منفصلًا، بل بوصفها نتيجة مباشرة لبنية قيادية تمتلك القدرة على تحويل التراكم التاريخي إلى أثر مستقبلي ممتد.
هذه اللحظة لم تكن مجرد إجابة عابرة، بل كانت نقطة تحوّل منهجي أعادت صياغة السؤال من كونه استفسارًا عن مصدر التأثير إلى كونه بحثًا في أصل التكوين، ومن هنا بدأت رحلة بحثية لم يكن هدفها إنشاء مدرسة جديدة بقدر ما كان هدفها إعادة اكتشاف مدرسة قائمة لم تُعرّف بعد بلغة العصر، وهنا تتجلَّى المفارقة التي تعكس طبيعة الخلل الإدراكي في التعامل مع الثروة المعرفية، حيث يمكن تخيل شخص يملك أقصى درجات الثراء إلى حد يعجز معه عن تصور الفقر، فيتجاهل حديثًا عن إنسان يبحث عن قوت يومه لا استهزاءً، بل لعجزه عن استيعاب هذا النقص، وهو المشهد الذي يوازي علاقتنا أحيانًا بواقعنا القيادي، إذ نبحث عن نماذج القيادة في الخارج بينما نعيش داخل واحدة من أكثر التجارب ثراءً وتراكمًا، فنحن لا نعاني من نقص في النماذج بقدر ما نواجه قصورًا في اكتشاف ما نملكه، وهو ما يفرض تحولًا معرفيًا من منطق الاستيراد إلى منطق الاكتشاف.
في هذا السياق لم يعد من الممكن التعامل مع التجربة السعودية بوصفها حالة تاريخية أو سياسية معزولة، بل بوصفها نمطًا قياديًا متكاملًا تشكَّل عبر مسار زمني ممتد لما يقارب ثلاثة قرون منذ الدولة السعودية الأولى مرورًا بالثانية وصولًا إلى الثالثة، واستمر في التطور حتى تجلَّى في نماذج معاصرة مثل رؤية 2030 التي لا يمكن قراءتها بوصفها خطة تحول فقط، بل بوصفها تعبيرًا حديثًا عن بنية قيادية عميقة الجذور، ومن أجل نقل هذا الفهم من الإطار الوصفي إلى الإطار العلمي كان لا بد من إخضاعه لمعايير تأسيس المدارس القيادية، والتي لا تقوم إلا على الامتداد الزمني الذي يمنح التجربة صفة الاستمرارية، والمعجم الخاص الذي يحولها من ممارسة ضمنية إلى نموذج قابل للتداول، والقدرة على التطبيق التي تثبت أن هذه المفاهيم ليست تنظيرًا، بل أدوات فاعلة في إدارة الواقع.
ومن خلال هذا الإطار تم استخلاص معجم قيادي يعبر عن الخصوصية السعودية دون أن يفقد قابليته للفهم العالمي، حيث برزت مفاهيم مثل السيادة المعرفية التي تعيد تموضع الإنسان في مركز القرار، وطبقة التفسير التي تجعل الفهم شرطًا سابقًا للكفاءة، والقيادة القائمة على المعنى التي تتجاوز الأداء إلى بناء الدلالة، وهي مفاهيم لا تنطلق من افتراضات نظرية مجردة، بل من قراءة تطبيقية لتجارب قيادية أثبتت قدرتها على التكيّف والاستمرارية في بيئات متغيِّرة ومعقَّدة، كما أن هذه المدرسة لا تتبنى موقفًا رافضًا للتقنية ولا تنخرط في تبعية لها، بل تعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والتقنية ضمن توازن دقيق يجعل التقنية أداة خادمة لا مرجعية مهيمنة، وهو ما يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة التحولات المعاصرة التي لم تعد تُقاس بسرعة الإنجاز بقدر ما تُقاس بقدرة الأنظمة على الحفاظ على المعنى في ظل التسارع.
وبحكم خلفيتي العلمية في علم الجينات، فإن هذا الاكتشاف لم يكن منفصلًا عن فهمي لطبيعة الأنظمة المعقدة، حيث إن فكرة الكمون الجيني التي تشير إلى وجود إمكانات كامنة تنتظر لحظة التفعيل توفر نموذجًا تفسيريًا يمكن إسقاطه على التجارب الحضارية، إذ يمكن القول إن ما تم الوصول إليه ليس إنشاءً لمدرسة جديدة، بل تفعيلًا لكمون قيادي ظل يعمل ضمنيًا عبر التاريخ دون أن يُصغ في إطار نظري واضح، وهو ما يجعل المدرسة السعودية للقيادة الواعية ليست مجرد إضافة إلى المدارس القيادية العالمية، بل إعادة تعريف لجوهر القيادة نفسها بوصفها عملية بناءً للمعنى قبل أن تكون إدارة للأداء.
وعليه فإن التحول الحقيقي الذي يفرض نفسه لا يتمثَّل في البحث عن نموذج خارجي بقدر ما يتمثَّل في إعادة قراءة الداخل بلغة يفهمها العالم، لأن المجتمعات التي تمتلك تراكمًا تاريخيًا وثقافيًا عميقًا لا تحتاج إلى استيراد النماذج بقدر ما تحتاج إلى إعادة صياغة ذاتها ضمن إطار معرفي قابل للتداول، وفي هذا السياق فإن المدرسة السعودية للقيادة الواعية لا تقدم نفسها بوصفها طرحًا نظريًا منافسًا بقدر ما تقدم نفسها بوصفها إسهامًا حضاريًا يعيد التوازن إلى العلاقة بين الإنسان والتقنية وبين الهوية والتحديث وبين الجذور والامتداد، وهو ما يجعلها إطارًا قادرًا على أن يكون جزءًا من النقاش العالمي حول مستقبل القيادة في عصر تتزايد فيه الحاجة إلى المعنى بقدر تزايد القدرة على التنفيذ، لأن المستقبل في جوهره لن يكون لمن يمتلك الأدوات فقط، بل لمن يمتلك القدرة على فهم ما تعنيه هذه الأدوات ضمن سياق إنساني أعمق.