هدى بنت فهد المعجل
لا يعيش الإنسان في الحاضر وحده، بل يسكنه دائمًا شيء من الغد. فالأحلام التي ينسجها، والخطط التي يرسمها، والآمال التي يعلقها على الأيام القادمة، كلها تشكل جزءًا من هويته الحالية. ولذلك فإن أخطر ما قد يفقده الإنسان ليس المال ولا المنصب ولا حتى بعض ما يملك، وإنما فقدان الصورة التي يرى بها مستقبله.
لقد أثبت التاريخ أن الشعوب التي امتلكت رؤية للمستقبل استطاعت أن تتجاوز الحروب والكوارث والمجاعات، بينما انهارت أمم كانت تملك الثروة والقوة لكنها فقدت المعنى والغاية. فالإنسان لا يتحرك بما يملك، بل بما يتطلع إليه. ولهذا كان الأمل قوة حضارية قبل أن يكون شعورًا نفسيًا.
وعلى المستوى الفردي، نجد أن كثيرًا من الناس يتحملون مشاق الحياة لأنهم يؤمنون بأن الغد يحمل فرصة جديدة. الطالب يجتهد لأنه يرى نفسه متخرجًا، والمريض يصبر لأنه يتخيل عافيته، والعامل يكدّ لأنه يحلم بحياة أفضل. إن صورة المستقبل تعمل داخل النفس كما تعمل البوصلة داخل السفينة؛ قد لا تُرى، لكنها توجه المسار كله.
وفي الأدب نجد أن أعظم القصص لم تكن عن أبطال يملكون كل شيء، بل عن أشخاص تمسكوا بأمل صغير وسط ظلام كبير. فالقوة الحقيقية ليست في غياب المعاناة، وإنما في القدرة على رؤية نافذة من الضوء خلفها.
لذلك فإن بناء المستقبل يبدأ من بناء الصورة الذهنية عنه. وكل فكرة عظيمة، وكل إنجاز إنساني، كان في الأصل حلمًا سكن عقل صاحبه قبل أن يصبح واقعًا يراه الناس. ومن هنا يمكن القول إن الإنسان لا يصنع غده فقط، بل إن الغد الذي يؤمن به هو الذي يصنع اليوم.