د. عبدالله علي بانخر
في عالمٍ تموج فيه الأحداث وتتلاطم أمواج الشائعات، يبرز الإعلام كمرآةٍ للواقع وموجّهٍ للرأي العام. وتظل الحيادية هي العمود الفقري الذي يستند إليه شرف المهنة الصحفية، غير أن هذه الحيادية لا تعني بأي حال من الأحوال التجرد من الانتماء، إذ تتغير المعادلة تماماً عندما يمس الأمر حياض الوطن وأمنه واستقراره.
تُعرَّف الحيادية في القاموس الإعلامي بأنها الالتزام بنقل الحقيقة والموضوعية، وتقديم الأخبار والوقائع دون تحيز، والوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف المعنية بالحدث. وتكمن الأهمية المهنية للحيادية في نقاط جوهرية محددة؛ أولها بناء الثقة، فهي الجسر الأساسي الذي يربط بين الوسيلة الإعلامية والجمهور، وبدونها تفقد الصحافة مصداقيتها وتتحول إلى منصة للدعاية الموجهة. وثانيها تقديم الصورة الكاملة، بما يضمن تمكين المتلقي من فهم أبعاد القضية بوضوح ليصنع وعيه الخاص بناءً على حقائق مجردة. وثالثها النزاهة الأخلاقية التي تحمي الصحفي من السقوط في فخ التبعية لأطراف المصالح الضيقة.
وإذا كانت الحيادية واجباً مهنياً في الصراعات السياسية الحزبية، أو الخلافات الفكرية والاجتماعية، فإنها تتوقف تماماً عندما يصبح الوطن هو الطرف الآخر في المعادلة. إذ لا توجد حيادية بين الوطن ومن يعاديه، ولا يمكن الوقوف على مسافة واحدة بين أمن البلاد وفوضى الخراب.
إن حماية حياض الوطن -أرضاً، وشعباً، ومؤسسات- هي القيمة العليا التي تتقدم على جميع نظريات الإعلام التي يُروَّج لها أحياناً بشكل مجرّد من السياق. فالإعلام ليس كائناً يعيش في الفراغ، بل هو ابن بيئته، وأمن المجتمع واستقراره هو الأرضية الوحيدة التي تسمح للإعلام نفسه بأن يمارس دوره بمسؤولية وحرية.
وتتحقق الموازنة الدقيقة بين المهنية والمسؤولية الوطنية من خلال ممارسات واضحة تفرق بين الإعلام البنّاء والإعلام الهدام. فالإعلام المهني الوطني ينقد السلبيات بهدف الإصلاح والبناء وتصحيح المسار، بينما يعمل الإعلام الموجه والهدام على تضخيم الأخطاء لبث الإحباط والفتنة. وفي الوقت الذي يتحرى فيه الإعلام الوطني الدقة في لحظات الأزمات لحفظ الأمن والسلم الأهلي، نجد الإعلام المغرض ينشر الشائعات ويهوّل الأحداث لخدمة أجندات خارجية. كما أن الصحافة الحقيقية تلتزم بمسؤولية الكلمة وتُعلي المصلحة العامة للمجتمع، في حين يتستر الإعلام المشبوه خلف «الحيادية الزائفة» لتمرير سموم التفرقة.
إن الإعلام الوطني الحقيقي لا يعني التطبيل الأعمى أو إخفاء الحقائق، بل يعني الوعي العميق بآلات الصراع الحديثة. فالصحفي الوطني يدرك تماماً متى يكون الخبر سلاحاً بيد العدو، ومتى يكون السكوت أو التريث لحين اتضاح الرؤية حمايةً ضرورية للجبهة الداخلية وتماسكها.
إن الحيادية في الإعلام هي أداة لبناء المجتمعات واستقرارها وليست معولاً لهدمها. وعندما تتعرض حياض الوطن للتهديد، أو يواجه تحديات وجودية، تتحول الصحافة من سلطة رابعة تراقب الأحداث، إلى خط دفاع أول يذود عن كرامة الأمة ومقدراتها. ستبقى المهنية شعاراً، والموضوعية طريقاً، ولكن يبقى الوطن دائماً خطاً أحمر لا يقبل الحياد.