د. محمد بن أحمد غروي
يُشكّل حوار شانغريلا، الذي انطلق مطلع الألفية الجديدة في أعقاب التحولات الأمنية العالمية التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، إحدى أبرز منصات الدبلوماسية الأمنية متعددة الأطراف في العالم، وتجاوز فكرة تجمع لوزراء الدفاع وقادة الجيوش والخبراء الأمنيين، ليصبح نموذجًا متقدمًا لما يُعرف بدبلوماسية «المسار 1.5»، التي تجمع بين المسؤولين الحكوميين وصناع القرار من جهة، والأكاديميين والخبراء وقادة الفكر من جهة أخرى، في مساحة حوارية تسمح بمناقشة القضايا الحساسة بعيدًا عن ضغوط المواقف الرسمية الصلبة أو الاستقطاب الإعلامي المباشر.
وتنبع أهمية المنتدى من قدرته على الجمع بين الخطابات العلنية والحوارات المغلقة والاجتماعات الثنائية التي تُعقد على هامشه، بما يجعله منصة فاعلة لبناء الثقة وإدارة الخلافات واستكشاف فرص التفاهم بين الدول المتنافسة، خاصة في توقيت تتزايد فيه بؤر التوتر وتتراجع فيه مساحات الحوار المباشر، وتكتسب مثل هذه المنصات أهمية استثنائية كأدوات وقائية تمنع تحول الخلافات السياسية والأمنية إلى أزمات مفتوحة.
وقد انعكست طبيعة البيئة الدولية المضطربة على أعمال المنتدى هذا العام، حيث حضرت تداعيات التوترات في الشرق الأوسط بقوة إلى جانب المنافسة الإستراتيجية المتصاعدة في منطقتي المحيطين الهندي والهادئ، والعلاقات المعقدة بين الولايات المتحدة والصين، وشهد المنتدى مشاركة ممثلين من 44 دولة، وأكثر من 40 رئيسًا لقوات الدفاع وكبار المسؤولين العسكريين، في مؤشر يعكس المكانة التي بات يحتلها الحوار باعتباره أحد أهم التجمعات الأمنية العالمية.
وكشفت كلمات القادة ووزراء الدفاع المشاركين عن ثلاث أزمات كبرى تفرض نفسها على النظام الدولي المعاصر: أزمة الثقة بين الدول، وأزمة فاعلية النظام الدولي القائم على القواعد، وأزمة الحوكمة العالمية في مواجهة التحديات العابرة للحدود، وهنا شدد الرئيس الفيتنامي على أهمية تعزيز القانون الدولي وتوسيع نماذج التنمية الشاملة وتعميق الحوار والشفافية باعتبارها أدوات أساسية لاستقرار النظام الدولي، وفي السياق ذاته، دعت دول رابطة آسيان إلى بناء الثقة المتبادلة وطمأنة دول الجوار في ظل تصاعد الإنفاق الدفاعي الإقليمي، محذرة من أن ازدواجية المعايير في التعامل مع النزاعات وجرائم الحرب تُضعف شرعية النظام الدولي وتقوض الثقة في مؤسساته.
وفي المقابل، طرحت الصين رؤيتها من خلال مبادرة الأمن العالمي، مؤكدة أن العالم يواجه تحديات متراكمة تشمل مخاطر التصعيد النووي، وتراجع منظومات الحد من التسلح، وتزايد مظاهر الهيمنة والصراع الجيوسياسي، وما يرافق ذلك من اضطراب في بنية الحوكمة الدولية. بينما ركزت الولايات المتحدة على تعزيز الشراكات الأمنية مع حلفائها، والدفع نحو توزيع أكثر توازنًا لأعباء الأمن الجماعي في مواجهة التحديات المتنامية.
وربما كانت إحدى أبرز النتائج العملية للمنتدى إعلان سبع عشرة دولة إطلاق إطار عمل مشترك لحماية البنية التحتية الحيوية تحت سطح البحر، في خطوة تعكس تحول الاهتمام الدولي نحو حماية الأصول الاستراتيجية غير المرئية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي، مثل كابلات الاتصالات البحرية وشبكات نقل البيانات والطاقة، ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا بأن التهديدات المستقبلية أصبحت تمتد إلى الفضاءات الرقمية والبنى التحتية العابرة للقارات.
وفي المحصلة، يكشف حوار شانغريلا عن حقيقة مهمة مفادها أن الأمن الدولي لم يعد يُصنع فقط عبر التحالفات العسكرية أو موازين القوة، بل أصبح يعتمد بدرجة متزايدة على القدرة على إدارة الخلافات وبناء الثقة وخلق مساحات للحوار المستمر، ومن هنا تتجاوز أهمية المنتدى كونه حدثًا دفاعيًا سنويًا، ليصبح أحد النماذج المعاصرة للدبلوماسية الوقائية التي تسعى إلى احتواء النزاعات قبل انفجارها، وإبقاء قنوات التواصل مفتوحة في عالم تتزايد فيه عوامل الانقسامات.