عقيل وساف
تشهد الساحة الدولية في الوقت الراهن مخاضاً تفاوضياً معقداً بين الولايات المتحدة وإيران، حيث تشق مذكرة التفاهم المطروحة طريقاً مليئة بالمطالب والهواجس المتبادلة، في ظل أزمة ثقة عميقة تكافح الوساطات الإقليمية والدولية لردم ما تيسر منها. هذا الحراك يضع المنطقة أمام أفقين برصيد محدود من الأيام: إما مذكرة يقبل بها الجانبان على مضض، أو العودة إلى مربع المواجهة المفتوحة.
وتعكس التطورات الأخيرة رغبة واشنطن في إدخال تعديلات وصفت بالصارمة على مسودة التفاهم، تهدف إلى دفع طهران للقبول بإطار يتوافق مع الخطوط الحمراء الأمريكية. وتتركز هذه المطالب في ثلاثة محاور رئيسة: أولاً، اشتراط عدم فرض أي رسوم أو إجراء تفتيشات عند إعادة فتح مضيق هرمز لضمان حرية الملاحة دون عوائق. ثانياً، وضع مهلة زمنية صارمة وغير مفتوحة للتخلص من اليورانيوم المخصب، لقطع الطريق أمام أي مراهنة على عامل الوقت. وثالثاً، الالتزام بعدم دفع أي أموال نقدية فورية لطهران خشية استثمارها في تعزيز قدراتها الإقليمية.
وتستند الرؤية الأمريكية في هذا التصلب إلى تقييم اقتصادي يرى أن الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية يكبدها خسائر أسبوعية هائلة، بالتزامن مع معدلات تضخم مرتفعة وأزمات في أسعار الغذاء وهبوط العملة المحلية، في مقابل استقرار نسبي وانتعاش في المؤشرات الاقتصادية الأمريكية. هذا الفارق يدفع صناع القرار في واشنطن إلى عدم الاستعجال والتمسك بموقف القوة فرضاً للشروط.
في المقابل، تبدو القراءة من المنظور الآخر مغايرة تماماً، إذ يُنظر إلى تلك التقديرات على أنها بعيدة عن واقع الميدان. فالموقف يرتكز على أن الحاجة الأمريكية للحل تدحض فرضية انهيار الاقتصاد الإيراني، الذي يمتلك قدرة عالية على التحمل والتعايش مع الأزمات مقارنة بالاقتصادات الصناعية المتقدمة والأكثر هشاشة تجاه اهتزازات الأسواق. وبالتالي، فإن الخطوط الحمراء متبادلة، والورقة التي صاغها الوسطاء تفرض تدرجاً قبلته الإدارة الأمريكية مسبقاً، ولن يتم التراجع عنه. وتعتبر طهران أن قدراتها السيادية في التخصيب وحضورها العسكري يمنحانها موقفاً قوياً لا يتطلب تقديم تنازلات جوهرية، مع إبداء جهوزية كاملة لكافة الاحتمالات بما فيها حالة عدم التوصل إلى اتفاق.
وفي غمرة هذا السجال، يبرز البعد الشخصي والسياسي الداخلي كمحرك أساسي للمفاوضات؛ فالأمر يتجاوز التفاصيل التقنية للوثيقة إلى رغبة القيادة الأمريكية في صياغة سردية انتصار شخصي تُظهر القدرة على إحداث التغيير وكتابة السطر الأخير في الاتفاق لتبدو الصيغة أقوى من تفاهمات الإدارات السابقة. وفي الجانب الآخر، تحرص طهران على إظهار صمودها وتماسك مؤسساتها السيادية، مبيّنة أن الأزمات الداخلية المترتبة على الحرب والحصار يجري التعامل معها عبر آليات وطنية ومشاركة شعبية، دون أن ينعكس ذلك ضعفاً في الموقف التفاوضي الذي يخضع لإشراف ومباركة أعلى مستويات القرار في البلاد.
ويتفق القراء للمشهد على أن التفاهم الحالي، إن كُتب له النجاح، لن يكون صناعة لسلام دائم، بل هو مجرد إعلان نوايا ومرحلة مؤقتة لتأطير الصراع والانتقال نحو جولات تفاوضية أطول. لكن الوصول إلى هذا الإعلان المبدئي يواجه معضلة تسويق الرواية للجمهور الداخلي؛ إذ يسعى كل طرف لتقديم الاتفاق كربح خالص وفرض لإرادته، وهو ما يفسر لجوء الجانبين إلى الاستمرار في المواجهات الكلامية والتراشق الإعلامي لتشكيل الرأي العام بانتظار بلورة المخرج الإجرائي.
ولا يمكن فصل هذا المسار التفاوضي بحال من الأحوال عن الساحة اللبنانية، التي باتت تشكل الاختبار الحقيقي لمصداقية الأطراف وعمق التحديات الميدانية. فالعمليات العسكرية الإسرائيلية المتواصلة وتوغل جيش الاحتلال في الجنوب اللبناني يلقيان بظلالهما على طاولات التفاوض، وسط تحليلات متباينة حول طبيعة الرابط بين الملفين. فهناك من يرى أن واشنطن توظف المماطلة لمنح تل أبيب مساحة زمنية أوسع لتحقيق مكاسب ميدانية وإضعاف حلفاء طهران، مستفيدة من غياب القيود الدولية والأوروبية الفعالة على السلوك الإسرائيلي، ومحاولة استغلال هذا الضغط لفرض تنازلات إضافية في المسودة التفاوضية.
وفي المقابل، تؤكد المقاربة الإقليمية المقابلة أن التوصل إلى اتفاق إطاري مستقر يظل رهناً بوقف القتال في لبنان وتحرير الجنوب، نظراً للتنسيق العالي والالتزام العقائدي والسياسي بدعم قوى المقاومة. وتحذر هذه الرؤية من أن استمرار المماطلة والاعتداءات قد يجر المنطقة نحو فعل عسكري مباشر وانخراط أوسع يقلب كافة الحسابات الإستراتيجية للولايات المتحدة وإسرائيل، خصوصاً أن معادلة الصراع تُعد وجودية ولا تحتمل التراجع خطوة إلى الوراء.
أمام هذا الانسداد الميداني والسياسي، تبدو الدولة اللبنانية عاجزة عن فرض شروطها أو حماية سيادتها، لكونها لا تملك عملياً خيوط السيطرة على ملف السلاح الذي ترتبط موازينه بأبعاد إقليمية ودولية. وفي ظل إعلان الاحتلال الصريح بعدم وقف الحرب إلا بإنهاء الوجود العسكري لحزب الله، يصبح الواقع اللبناني أمام خيارات شديدة القسوة؛ فالحرب مستمرة في التدمير، والمفاوضات الدولية لم تنتج حلولاً فورية.
ويفتح هذا الاستعصاء الباب أمام أطروحات تدعو إلى ضرورة إطلاق حوار داخلي لبناني يبحث عن ثغرة في جدار الأزمة، ترتكز على إيجاد معادلة وطنية توازن بين مناقشة مصير السلاح وبين قدرة الدولة على تحصيل انسحاب كامل للاحتلال، وإعادة الإعمار، وتحرير الأسرى، بدلاً من إبقاء الملف رهينة للتفاهمات الأمريكية الإيرانية التي قد تطول لأشهر. وفي المقابل، يرى فريق آخر أن المقاومة المسلحة واستنزاف العدو هما الطريق الوحيد الذي أثبت جدواه تاريخياً في فرض الانسحاب، وأن الرهان على الوعود الشفوية أو الحوارات في ظل الاختلال الميداني لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الاحتلال والتدمير.
دولياً، يبرز الموقف الأوروبي، وخاصة الفرنسي البريطاني، مدفوعاً بإنقاذ ما يمكن إنقاذه وحماية المصالح الحيوية، عبر تقديم أطروحات للتحرك في أروقة الأمم المتحدة، وإبداء الجاهزية العسكرية لتأمين الملاحة في مضيق هرمز بمجرد التوصل إلى تفاهمات، وهي مقاربات تهدف إلى تكملة مذكرة التفاهم وتوفير شبكة أمان دولية لها.
ختاماً، يظل المشهد العام محكوماً بحالة «اللا حرب واللا سلم» والجمود المؤقت، حيث يقف الجميع وأيديهم على الزناد وسط حشود عسكرية هائلة في البحر والميدان. وسواء نجح الوسطاء في إخراج مذكرة التفاهم الهشة إلى العلن كصيغة تسوية مؤقتة تحفظ ماء وجه الطرفين، أو دُفعت المنطقة نحو جولة جديدة من المواجهة، فإن الثابت هو أن الإقليم يعيش مرحلة إعادة صياغة للموازين، حيث تستخدم فيه السياسة والحرب كوسائل متبادلة لتحقيق الغايات الإستراتيجية وفرض الإرادات.