جدة - «الجزيرة»:
تواصل الفنانة التشكيلية السعودية إيمان الحميد تقديم مشاريع بصرية تتجاوز حدود الطرح التشكيلي التقليدي، متجهةً نحو توظيف الفن بوصفه خطاباً ثقافياً وإنسانياً قادراً على ملامسة القضايا المعاصرة بلغة بصرية تتسم بالهدوء والعمق والبعد التأملي. وفي عملها الجديد «بينها وبين العافية وعد»، تقدم الحميد معالجة تشكيلية لمرض التصلب اللويحي المتعدد ضمن رؤية فنية تجمع بين الحس الإنساني والنضج البصري، مبتعدةً عن المباشرة والطرح التوعوي المعتاد لصالح خطاب أكثر اتزاناً ورهافة.
ويأتي المشروع بالتزامن مع اليوم العالمي للتصلب اللويحي المتعدد، حيث تنطلق الفنانة من تجربة إنسانية قريبة لتقديم عمل لا يتوقف عند المرض بوصفه حالة طبية مجردة، بل يتأمل أثره النفسي والإنساني وما يرافقه من تحولات داخلية تتراوح بين القلق والصبر والتعايش والأمل.
ويُعد التصلب اللويحي المتعدد من الأمراض المزمنة التي تفرض على المصابين بها رحلة طويلة من التعايش النفسي والجسدي، بما تحمله من تغيرات غير متوقعة قد تؤثر في تفاصيل الحياة اليومية واستقرارها. ومن هنا تبدو اللوحة أقرب إلى تأمل بصري في فكرة الثبات الإنساني وسط حالة دائمة من التقلب وعدم اليقين، أكثر من كونها استحضاراً مباشراً للمرض بوصفه حالة طبية فقط.
اللوحة المنفذة بالألوان الزيتية على قماش الكانفس بقياس 100 × 75 سم، تقدم امرأة تقف أمام البحر فيما تتحرك الأمواج من حولها ويتدفق الضوء في الأفق البعيد. ومنذ اللحظة الأولى، يكشف العمل عن وعي واضح بالعلاقة بين التكوين والرمز والدلالة النفسية، حيث تتحول العناصر الطبيعية داخل اللوحة إلى لغة بصرية تحمل أبعاداً شعورية وفكرية تتجاوز بعدها الجمالي المباشر.
ويؤدي البحر داخل العمل دوراً رمزياً أساسياً، إذ تبدو الأمواج استعارة لحالة التغير وعدم اليقين التي قد ترافق مرضى التصلب اللويحي المتعدد، بما تحمله التجربة من مراحل متقلبة بين الاستقرار والانتكاس. ومع ذلك لا تبدو الشخصية في حالة انهيار أو مواجهة صاخبة مع البحر، بل تقف أمامه بثبات وهدوء، في معالجة تمنح اللوحة حساً إنسانياً متزناً بعيداً عن المبالغة العاطفية أو الخطاب القائم على الشفقة.
كما يحتل الضوء موقعاً محورياً داخل التكوين، إذ لا يظهر بوصفه عنصراً جمالياً فحسب، بل بوصفه قيمة رمزية ترتبط بالأمل وإمكانية الاستمرار والتعايش. وينعكس هذا الضوء على البحر والشخصية معاً، ضمن بناء بصري متماسك يجعل الأمل جزءاً عضوياً من المشهد لا عنصراً منفصلاً عنه.
أما العنصر الأكثر ارتباطاً بالمرض فيتمثل في الوشاح البرتقالي الذي يلتف حول رأس الشخصية وعنقها، في إحالة مباشرة إلى اللون العالمي المعتمد للتوعية بمرض التصلب اللويحي المتعدد. غير أن الحميد تتجنب تحويل هذا الرمز إلى مركز بصري طاغٍ، إذ تحافظ على حضور الثوب الأبيض بوصفه المساحة الأوسع داخل اللوحة، في رؤية تؤكد أن الإنسان لا يمكن اختزاله في مرضه أو تعريفه من خلال تشخيصه الطبي وحده.
وتقول الحميد: «لم أرد أن يتحول المرض إلى هوية كاملة للإنسان. لهذا بقي الأبيض حاضراً بوصفه لون الإنسان نفسه، بينما جاء البرتقالي كإشارة إلى المرض لا كتعريف كامل للشخصية».
ويكشف العمل عن حس تشكيلي ناضج لدى الفنانة إيمان الحميد، وقدرة واضحة على تحويل قضية صحية معقدة إلى خطاب بصري متماسك يجمع بين البعد الإنساني والقيمة الجمالية، دون الوقوع في المباشرة أو الاستسهال العاطفي الذي تقع فيه كثير من الأعمال المرتبطة بالقضايا التوعوية.
كما تؤكد الحميد في هذا المشروع حضورها بوصفها فنانة تميل إلى بناء الأثر الإنساني داخل العمل الفني، لا الاكتفاء بالحلول البصرية السريعة، وهو ما يظهر في عنايتها بالبناء الرمزي للوحة، وفي التوازن الدقيق بين الضوء والحركة والهدوء النفسي داخل التكوين.
ولا تبدو «بينها وبين العافية وعد» مجرد لوحة مرتبطة بمناسبة صحية عابرة، بل مشروعاً بصرياً يحمل وعياً فنياً وثقافياً واضحاً، ويعكس قدرة الفنانة على تقديم الواقعية المعاصرة ضمن معالجة أكثر حساسية ونضجاً وعمقاً.
وفي الوقت الذي تقع فيه كثير من الأعمال التوعوية في فخ المباشرة أو الانفعال السهل، تنجح الحميد هنا في تقديم معالجة أكثر اتزاناً وهدوءاً، مستندة إلى لغة بصرية قادرة على خلق التأمل دون أن تفقد العمل حضوره الإنساني أو قوته الشعورية.
ويأتي المشروع امتداداً لاهتمام الفنانة بالمشاريع ذات البعد الثقافي والإنساني، انطلاقاً من قناعة بأن الفن لا يقتصر على قيمته الجمالية وحدها، بل يمتلك القدرة على بناء الأثر وفتح مساحات جديدة للفهم والتعاطف والوعي، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالأمراض التي لا تظهر آثارها دائماً بشكل واضح للآخرين.
ويعكس المشروع استمرار إيمان الحميد في تقديم تجارب تشكيلية تنشغل بالبعد الإنساني للفن، ضمن مسار بصري يسعى إلى بناء المعنى والأثر بقدر اهتمامه بالقيمة الجمالية للعمل.
وفي «بينها وبين العافية وعد» لا يبدو التصلب اللويحي المتعدد نهاية للحكاية، بل جزءاً من رحلة أكثر تعقيداً يعيشها الإنسان بين التقلب والثبات، وبين الخوف والأمل، وبين المرض والرغبة المستمرة في العافية. وهي الرؤية التي تمنح العمل بعده الثقافي والإنساني، وتؤكد حضور إيمان الحميد بوصفها فنانة تمتلك مشروعاً بصرياً يتعامل مع الفن كمساحة للمعنى والأثر، لا مجرد مساحة للعرض وحده.