د. طلال الحربي
ثمة لحظات في تاريخ الأمم تكشف فيها عن عمق هويتها وصدق انتمائها لما تدّعيه من قيم، وليس أجلى من تلك اللحظات ما يتجلى في موسم الحج، حين تستقبل المملكة العربية السعودية ضيوف الرحمن من أصقاع الأرض قاطبة، حاملةً على عاتقها أمانةً لا تضاهيها أمانة. وفي قلب هذه الأمانة الكبرى تقف منظومة النقل والخدمات اللوجستية شامخةً بكل ما أوتيت من طاقة وكفاءة وتطلع، مُدركةً أنها ليست مجرد مرفق وظيفي يُسيِّر الأجساد من نقطة إلى أخرى، بل هي الوجه الأول الذي يلقاه الحاج حين يطأ قدمه هذه الأرض المباركة، والرفيق الأمين الذي يلازمه طوال رحلته الإيمانية الكبرى.
وقد جاءت استعدادات موسم حج عام ألف وأربعمائة وسبعة وأربعين للهجرة تعبيرًا صادقًا عن هذه الرؤية، إذ رُسمت خطوطها العريضة في ضوء توجيهات القيادة الرشيدة التي لم تتوانَ لحظةً واحدة عن إسباغ رعايتها ودعمها على كل ما يخص خدمة ضيوف بيت الله الحرام. فالدعم الملكي الذي تتمتع به منظومة النقل ليس شعارًا يُردَّد في المناسبات، بل هو وقود حقيقي يُمدّها بالقدرة على المضي قُدُمًا في تحقيق ما يعجز عنه كثير من دول العالم حتى في أوقاتها الاعتيادية، فكيف حين يتعلق الأمر بإدارة حشود بشرية تُعدّ الأضخم في تاريخ البشرية المعاصرة خلال أيام معدودات.
غير أن المشهد الأكثر إثارةً للتأمل في ثنايا هذا الموسم هو ما أنجزته الخطوط الحديدية السعودية «سار» في إطار تشغيل قطار المشاعر المقدسة، ذلك المشروع الذي تحوّل على مرّ السنين من إنجاز بنيوي لافت إلى ركيزة لا غنى عنها في منظومة الخدمات الحجية. فقد أعلنت «سار» اختتام عملياتها لهذا الموسم بعد أن نقل القطار ما يزيد على مليون وتسعمائة ألف حاج عبر محطاته التسع الممتدة بين أرجاء المشاعر المقدسة في عرفات ومزدلفة ومنى، وذلك عبر تسيير ألف وثمانمائة رحلة على امتداد سبعة أيام متواصلة، بدأت في السابع من ذي الحجة ولم تضع أوزارها إلا بعد اكتمال حركة الحجاج في نهاية أيام التشريق. وهي أرقام تقف وحدها شاهدةً على حجم المهمة وثقلها، لكن الأرقام وحدها لا تستطيع أن تحكي القصة كاملة.
ذلك أن التحدي الحقيقي الذي يواجه قطار المشاعر لا يكمن في نقل الأعداد بقدر ما يكمن في توقيت ذلك النقل وتنظيمه. فمسار الحج في مراحله الكبرى ليس تدفقًا بشريًا عشوائيًا قابلًا للتوزيع على مدار الساعات، بل هو حركة تكاد تكون متزامنة لملايين البشر يقودها الواجب الديني المشترك. فحين تُعلن النفرة من عرفات بعد غروب شمس يوم التاسع من ذي الحجة، يتحرك هذا البحر البشري الهادر نحو مزدلفة في توقيت واحد يكاد يكون لحظيًا، ثم حين تنتهي ليلة المزدلفة يتدفق الحجاج مجددًا نحو منى في حركة لا تقبل التأجيل. وهنا يكمن اختبار الكفاءة الحقيقي، لأن الخطأ في هذه اللحظات بالذات لا تتسع هامشًا للتصحيح اللاحق، ولأن الازدحام في هذه المناطق بالتحديد قد يتحول من ضائقة إلى كارثة في أسرع مما تستطيع أي خطة احتياطية مواجهته.
وقد مضت «سار» إلى هذا التحدي وهي مدجّجة بخطة تشغيلية مُحكمة، نبعت من خبرة متراكمة عامًا بعد عام، ومن إدراك عميق بأن إدارة هذه الحشود فنٌّ يجمع بين الدقة الرياضية في التوقيت والمرونة الإنسانية في التعامل مع المتغيرات. فمرحلة التصعيد إلى مشعر عرفات وُجِّهت بانسيابية تمنع التقاطع والتكدس، ومرحلة النفرة إلى مزدلفة أُديرت بتوزيع الحركة على مسارات تكفل وصول الجميع دون تضاغط، ثم مرحلة الإفاضة إلى منى جرت في نظام حركي يُخدم فيه الحاج دون أن يشعر بثقل الحشود من حوله، وصولًا إلى حركة أيام التشريق باتجاه جسر الجمرات، تلك اللحظة التي تستدعي من إدارة القطار يقظةً قصوى وانتباهًا لا يهدأ.
والرجل الذي يقف خلف هذه المنظومة بثقلها الكامل، الدكتور بشار بن خالد المالك، الرئيس التنفيذي للخطوط الحديدية السعودية، لم يتردد في إرجاع الفضل إلى مصدره الحقيقي حين تحدث عن نجاح هذه الخطة، فأشار صراحةً إلى أن ما تحقق جاء بتوفيق الله أولًا، ثم بالدعم غير المحدود الذي تُوليه القيادة الرشيدة لقطاع الخطوط الحديدية. وفي هذا القول من الصدق ما يجعله أكثر من صيغة بروتوكولية، فالدعم الذي تتلقاه «سار» من القيادة ليس دعمًا ماليًا فحسب، بل هو دعم يمنح المؤسسة قناعةً بأنها تعمل في ظل رعاية تجعل من الفشل أمرًا غير مقبول ومن التميز غايةً لا خيارًا. والأثر النفسي لهذا الدعم على الكوادر الوطنية التي تُدير العمليات أعمق مما توحي به المظاهر، إذ يتحول الموظف من مجرد منفذ لمهمة إلى حارس أمانة يُدرك أن ما يصنعه يُجسِّد صورة وطنه أمام العالم. وقد أكد المالك في هذا السياق أن متابعة معالي وزير النقل والخدمات اللوجيستية وراء نجاح التجربة ويعكس تكاملًا حقيقيًا في الجهود بين مختلف الجهات المعنية، مشددًا على أن الكوادر الوطنية أثبتت قدرتها على إدارة عمليات النقل بمستوى لا يقلّ شيئًا عن أرقى نظيراتها العالمية، بل يفوقها في أحيان كثيرة إذا قيست التحديات التي تواجهها بما يُتاح لها من إمكانات. وأضاف أن «سار» لا ترى في موسم الحج محطةً تنتهي بانتهاء أيام التشريق، بل ترى فيه مختبرًا حيًا تستخلص منه دروسًا وتُراكم خبرات تعود إليها في كل موسم لاحق بمزيد من التحسين والتطوير، بما يدعم مستهدفات رؤية المملكة 2030 ويرفع سقف الخدمات المقدمة لضيوف الرحمن عامًا بعد عام.
وإذا كانت «سار» تمثل الشريان الأعمق في جسد منظومة نقل الحجاج بين المشاعر، فإن هذا الجسد لا يكتمل إلا بما يُسنده من خدمات برية وتقنية ولوجستية تعمل بالتوازي مع القطار في انسجام تشغيلي لافت. فإلى جانب ثلاثة وثلاثين ألف حافلة حديثة مطابقة لأعلى معايير الجودة تجوب المسارات المخصصة لخدمة الحجاج، صُمِّمت إحدى عشرة نقطة استراتيجية لنقل الحجاج من المشاعر إلى المسجد الحرام في حدود ربع ساعة، في توظيف ذكي للجغرافيا والتوقيت معًا يكشف عن مستوى التفكير التشغيلي الذي يحكم هذه المنظومة.
بيد أن أكثر ما يُضفي على هذا الموسم طابعًا مميزًا هو ذلك الاستثمار في الابتكار المحلي الذي كان يمكن تجاهله وادّعاء الكفاءة دونه، لكن المنظومة ممثلة بالهيئة العامة للطرق ممثلة بمعالي رئيسها آثرت أن تواجه التحديات البيئية بسلاح من صنعها. فتقنية تبريد الطرق التي طُبِّقت في ثلاثة مواقع جديدة هذا العام لترفع المساحة الإجمالية المعالجة إلى قرابة سبعين ألف متر مربع، ليست مجرد تجربة تقنية، بل هي إجابة علمية رصينة على سؤال إنساني عميق: كيف نجعل خطوات هذا الحاج القادم من أوروبا الباردة أو جنوب شرق آسيا الرطبة أقل إجهادًا تحت شمس الجزيرة؟ وخفض درجة حرارة الأسطح باثنتي عشرة إلى خمس عشرة درجة مئوية قد يبدو رقمًا معزولًا في نشرة إحصائية، لكنه في واقع الحاج الذي يمشي بين المشاعر يُساوي فارقًا بين التعب المحتمل والإجهاد الحراري الخطير.
ثم جاء البُعد اللوجستي ليُكمل اللوحة بتفاصيلها الأعمق وأبعادها الأوسع. فشحن أكثر من مليون ومائتي ألف طن من البضائع والمواد الخدمية وتنظيم وصول ما يزيد على مليونين وستمائة ألف رأس ماشية لتلبية احتياجات الموسم، وإيصال أكثر من مليوني مصحف إلى أربعين دولة في أرجاء العالم، كل هذه الأرقام تُرسم بها صورة لوجستية بالغة التعقيد تجري خلف الكواليس بعيدًا عن الأضواء، لكنها لو توقفت لحظةً واحدة لأحسّ الحاج باختلال ما لا يستطيع تسميته. وهذا هو جوهر الخدمة الحقيقية: أن تعمل على نحو يجعل غيابها ملحوظًا وحضورها مسلَّمًا به.
ولا يكتمل الحديث عن هذه المنظومة دون الإشارة إلى ذلك الحضور الميداني الوازن لمعالي وزير النقل في المشاعر والمنافذ والمطارات، متفقدًا وجاهزيتها ومتثبتًا من أن ما رُسم على الورق يتحقق على الأرض. فهذا الحضور هو في جوهره رسالة واضحة إلى كل من يعمل في هذه المنظومة: أن القيادة لا تقود من بُعد حين يتعلق الأمر بضيوف الرحمن، وأن الدعم الذي تُمدّه القيادة الرشيدة يجري في كل مستوى من مستويات التسلسل الإداري حتى يصل إلى ذلك السائق الذي يجلس خلف مقود حافلته في انتظار آخر موجة من الحجاج في ليل المزدلفة الساكن.
من هنا تتضح الحقيقة التي يُفصح عنها هذا الموسم بأجلى صورها: أن منظومة النقل في الحج تستمد قوتها من معادلة ثلاثية الأركان لا يمكن اختزالها في ركن واحد. فهي قوة القيادة الرشيدة التي تجعل من خدمة ضيوف الرحمن أولوية وطنية راسخة لا تتزعزع. وهي كفاءة المؤسسات كـ»سار» التي تُعبِّئ هذه الأولوية في خطط تشغيلية دقيقة وقدرات تقنية متجددة. وهي أخيرًا روح الكوادر الوطنية التي تُدرك أنها حين تُيسِّر على حاج خطوةً واحدة في مسعاه إلى بيت الله، فإنها تُشارك في كتابة فصل من فصول تاريخ هذه المملكة العريقة في خدمة الإسلام وأهله.