حاورها - وائل العتيبي:
في المشهد الثقافي السعودي المتحوّل سريعًا، برز اسم إيمان الخطاف بوصفها واحدة من الأصوات التي رافقت صعود السينما السعودية منذ سنواتها الأولى، لا كمراقبة للمشهد فحسب، بل كجزء من حراكه النقدي والثقافي والإعلامي. فمنذ انضمامها إلى صحيفة «الشرق الأوسط» عام 2006، اتجهت إلى الصحافة الثقافية والفنية، لتصنع حضورًا مختلفًا في الكتابة السينمائية العربية عبر لغة تمزج الحس الأدبي بالتحليل النقدي، مبتعدة عن الانطباعات السطحية نحو قراءة أعمق للصورة والهوية والسرد البصري.
حصلت الخطاف على درجة الماجستير في الإعلام من جامعة الملك سعود، ونالت جائزة «التميّز الصحافي» من هيئة الصحافيين السعوديين عام 2011، وهو تكريم مبكر لمسيرة امتدت لاحقًا إلى النقد السينمائي والتغطيات الثقافية والعمل الإعلامي المتخصص في الفعاليات السينمائية. وخلال السنوات الأخيرة، ارتبط اسمها بالحراك السينمائي السعودي المتنامي، عبر مشاركتها في التنظيم الإعلامي لمهرجان أفلام السعودية، وعملها مسؤولة إعلامية للمشاركات السينمائية في مركز إثراء، في مرحلة شهدت اتساع الحضور السعودي في المنصات والمهرجانات الدولية.
إلى جانب عملها الصحافي، أصدرت روايتي «كيمياء الخيبة» و«ساحرات بلا مكانس»، في امتداد طبيعي لصوتها الأدبي الذي يظهر أيضًا في كتاباتها النقدية المكثفة والشاعرية، حيث ترى أن السينما ليست مجرد صناعة ناشئة، بل «ذاكرة اجتماعية جديدة تُكتب بالصورة».
* حصلتِ على جائزة هيئة الصحافيين السعوديين للتميز الصحافي في وقت مبكر من مسيرتك. ما الذي غيّرته الجائزة في وعيك المهني؟ وهل كانت دافعًا أم عبئًا يفرض سقفًا أعلى باستمرار؟
- كانت الجائزة في بداياتي أشبه بتأكيد مبكر على أنني أسير في الطريق الصحيح. خصوصًا أن الجوائز تملك دائمًا سحرها الخاص، سواء في الصحافة أو السينما أو أي مجال إبداعي، لأنها تمنح صاحبها شعورًا بأن هناك من توقّف أمام ما يقدمه وانتبه له. لكن مع الوقت أدركت أن القيمة الحقيقية ليست في لحظة الفوز نفسها، بل فيما بعدها؛ في الاستمرار والمحافظة على الشغف، وفي محاولة تقديم ما هو أفضل في كل مرة».
* إلى أي مدى يؤثر ذوقك الشخصي على أحكامك النقدية؟
- أحيانًا أحب فيلمًا «عاديًا» لأنه يلامس شيئًا داخلي، وأحيانًا لا أحب فيلمًا ما لكنني أرى فيه قيمة فنية أو كتابة متقنة تستحق التقدير، وهذا حصل مع أكثر من عمل أعطيته حقه الفني رغم أنه يبتعد كثيرًا عن ذائقتي السينمائية. إجمالًا، من المستحيل أن نتجرّد تمامًا من ذائقتنا الشخصية، لأننا في النهاية بشر نحمل تجاربنا وميولنا، لكن الفرق الحقي يكمن في قدرتنا على الفصل بين «ما نحبه شخصيًا» و«ما نراه منجزًا فنيًا».
* كيف استطعتِ أن توازني بين الحس الأدبي في كتاباتك وبين الصرامة النقدية المطلوبة في قراءة الفيلم سينمائيًا دون أن تطغى اللغة على الفكرة أو العكس؟
- أنا أحب اللغة وأؤمن أن النص -أي نص- يجب أن يحمل روحًا وأسلوبًا وسلاسة. وربما جاءت هذه الموازنة من خلفيتي الصحافية أيضًا؛ الصحافة علّمتني أهمية الوضوح والوصول إلى القارئ. وأبرز النقّاد في العالم خرجوا من عباءة الصحافة وبدأوا منها وانطلقوا للناس من لغتها وأسلوبها، لأن الصحافة تجعلك أبسط وأكثر قربًا من الشارع والتصاقًا بالتفاصيل من حولك.
كما لعبت القراءة دورًا مهمًا في تشكيل لغتي ونظرتي تجاه الكتابة. صحيح أن وتيرة القراءة تغيّرت مع الوقت، لكن أثرها الداخلي ما يزال حاضرًا في طريقة بناء الجملة والنظر إلى الفن والإنسان. وبصراحة، أرى أنه مع صعود الذكاء الاصطناعي، أصبحت اللمسة الإنسانية في الكتابة أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأن القارئ يستطيع أن يميّز بين النص المصنوع بوعي وتجربة حقيقية، والنص البارد الذي يكتفي بترتيب الأفكار دون روح.
* كثير من النقاد والمهتمين يصفون كتاباتك بأنها أقرب إلى «النقد الثقافي» منها إلى النقد التقليدي. هل ترين أن الفيلم يجب أن يُقرأ اجتماعيًا وفلسفيًا قبل قراءته تقنيًا؟
- نعم! أميل إلى قراءة الفيلم بوصفه عملًا فنيًا وثقافيًا في الوقت نفسه. ما الذي يقوله عن الإنسان؟ عن العالم؟ عن الخوف؟ عن الألم؟ عن التحوّلات؟ عن الصراع؟ هذه الأسئلة تهمني بقدر اهتمامي باللغة السينمائية نفسها. لذا أكتب في حساباتي عبارة «أبحث عن المعنى في الفن والحياة» لأنه هو بوصلتي في مشاهدة الأفلام وقراءتها، أو كما قال أندريه تاركوفسكي: «الفن يرمز إلى معنى وجودنا». كما أن الناقد -في رأي- يصعب عليه فصل الفيلم عن معارفه وقراءاته وتجاربه الإنسانية. فحين يتناول العمل شخصية مضطربة نفسيًا، أو حقبة تاريخية، أو تحولات اجتماعية معقدة، تصبح الثقافة جزءًا أساسيًا من عملية القراءة النقدية نفسها.
* لديك لغة تميل إلى الشعرية والتأمل حتى في المقال النقدي. هل ترين أن الناقد يكشف ذاته أيضًا أثناء قراءته للفيلم؟ بمعنى: هل كل نقد هو سيرة ذاتية مقنّعة؟
- إلى حد ما، نعم. أعتقد أن كل قراءة فنية تكشف شيئًا من صاحبها، حتى لو حاول أن يبدو موضوعيًا بالكامل، فنحن لا نشاهد الأفلام بعين محايدتين تمامًا، بل بتاريخنا الشخصي وذاكرتنا وأسئلتنا ومخاوفنا وطريقتنا في رؤية العالم. لكنني لا أحب أن يتحول النقد إلى اعتراف شخصي كامل، لأن الفيلم يجب أن يبقى في مركز النص. ما أحاول فعله هو أن أترك أثرًا من ذاتي داخل الكتابة، دون أن أزاحم العمل الفني نفسه.
* ما أبرز التحديات التي تواجه الناقدة المرأة في الوسط الثقافي والإعلامي؟
- صراحة، أنا لا أحب تصنيف النقد ما بين امرأة ورجل، ولا أؤمن بتقسيمة «كتابة نسائية» و»كتابة رجالية». ولهذا السبب اعتذرت سابقًا عن بعض البرامج والجلسات التي تتمحور بالكامل حول فكرة «المرأة في الثقافة» و»المرأة في السينما» ونحو ذلك. لكن عودة لسؤالك، أرى أن معظم التحديات التي يواجهها الناقد اليوم، سواء كان رجلًا أو امرأة، ترتبط بطبيعة الوسط الثقافي نفسه، وبعلاقة الناقد مع صناع الأفلام وجهات الإنتاج والمهرجانات والفعاليات السينمائية، وكيف يحافظ على استقلاليته وسط هذه المساحات المتشابكة.
* هل بعض النقاد يكتبون لإرضاء المهرجانات والجهات الإنتاجية؟
- هذا يحدث كثيرًا. لأن الناقد عندما يقترب جدًا من المهرجانات أو الجهات الإنتاجية، يصبح أمام اختبار حقي في الحفاظ على مسافته المهنية دون التحوّل إلى عنصر ترويجي. والمشكلة تبدأ عندما يفقد الناقد حريته في قول رأيه الحقي، أو يصبح خائفًا من خسارة الدعوات والعلاقات، فيضطر للمجاملة بدافع «ما أبيهم يزعلون». والبعض الآخر يظن أن المجاملات الزائدة هي طريقة لدعم الحركة السينمائية، وسبق أن كتبت بأن الدعم لا يعني المجاملة، وما زلت متمسكة برأي.
* هل تعتقدين أن النقد العربي ما زال يخشى الصراحة في تقييم الأعمال الفنية، خصوصًا مع صعود العلاقات العامة والسوشال ميديا وهيمنة النجومية؟
- إلى حد كبير نعم. وبصراحة صارت أصعب اليوم، ليس فقط بسبب العلاقات العامة، بل بسبب طبيعة السوشال ميديا نفسها، حيث يتحول أي رأي أحيانًا إلى معركة شخصية أو هجوم جماهيري. كما أن بعض النقاد أصبحوا أكثر حذرًا من خسارة العلاقات أو الدخول في صدامات أو حملات إلكترونية، لكن المشكلة أن النقد إذا فقد صراحته فقد جزءًا كبيرًا من قيمته.
* من أبرز النقاد في الساحة السعودية اليوم؟
- هناك أسماء سعودية أقرأها باهتمام ومتعة حقيقية، وأشعر أنها تملك صوتًا خاصًا داخل المشهد الثقافي. مثل كتابات محمد العباس، رغم قلّتها، لأنه يملك حسًا ثقافيًا وإنسانيًا عميقًا. كما أقرأ باهتمام للناقد طارق الخواجي، سواء في كتبه أو مقالاته، لما يملكه من معرفة سينمائية واضحة وهدوء في بناء الفكرة بعيدًا عن الاستعراض.
* سهى الوعل ترى نقدك ممتعًا. هل تتفقين؟ وأين تضعين إمتاع القارئ على سلم أولوياتك النقدية؟
- طبعًا أشكر سهى الوعل على هذا الوصف اللطيف، وأؤمن أن إمتاع القارئ جزء مهم من أي كتابة ناجحة، حتى في النقد. أحيانًا يظن البعض أن النص العميق يجب أن يكون معقدًا ومليئًا بالمصطلحات والفذلكة، بينما أرى أن أصعب أنواع الكتابة هي تلك التي تجمع بين الفكرة والوضوح والمتعة في الوقت نفسه.
* لو طُلب منك كتابة جملة واحدة تختصر أزمة السينما العربية اليوم، فماذا ستقولين؟ وهل المشكلة في التمويل، أم الحرية، أم النص، أم غياب الرؤية النقدية المواكبة؟
- هي مزيج من كل ما ذكرت. لدينا مجتمعات عربية مليئة بالتفاصيل والتحولات والأسئلة الإنسانية، ولدينا قصص يمكن أن تتحول إلى أفلام عظيمة، لكن المشكلة أحيانًا أن بعض الأعمال تُصنع بعقلية تجارية أكثر من كونها ذات قيمة فنية، فتحقق نجاحًا لحظيًا في شباك التذاكر ثم ينساها الجمهور سريعًا. كما أن تراجع النقد السينمائي العربي المواكب يخلق مشكلة أيضًا، لأن أي حركة سينمائية تحتاج إلى نقاش وتحليل وأسئلة مستمرة، لا مجرد احتفاء أو ترويج.
* ما أكثر فيلم سعودي شعرتِ أنه قال شيئًا عجزت المقالات والحوارات الثقافية عن قوله؟
- فيلم «وجدة» للمخرجة هيفاء المنصور، لأنه استطاع أن يقول الكثير عن الرغبة والحرية والطفولة والعلاقة مع المجتمع دون خطاب مباشر. ببساطة، فتاة تريد دراجة، لكن خلف هذه الرغبة البسيطة عالم كامل من الأسئلة حول المرأة والمدينة والحدود غير المرئية. هذا ما تفعله السينما أحيانًا بشكل أعمق من المقالات.
* بحكم حضورك في مهرجان أفلام السعودية وفعاليات سينمائية مختلفة، هل تعتقدين أن المهرجانات تصنع حركة سينمائية حقيقية أم تصنع صورة إعلامية للحركة فقط؟
- يمكنها أن تفعل الأمرين معًا. المهرجانات قد تتحول إلى مساحة حقيقية لاكتشاف المواهب وخلق النقاش وربط صناع الأفلام بالنقاد والجمهور، وقد تتحول أيضًا إلى مجرد صورة إعلامية إذا اكتفت بالمظاهر والاحتفاء اللحظي. في السعودية أرى أن المهرجانات لعبت دورًا مهمًا في خلق الحراك والاهتمام وبناء ذاكرة سينمائية جديدة، خصوصًا أن التجربة السينمائية المؤسسية لدينا ما زالت حديثة نسبيًا، لكنها اليوم أمام مرحلة مهمة وهي مرحلة التراكم.
وفي زمن تتشكل فيه ملامح السينما السعودية الجديدة، تبدو إيمان الخطاف واحدة من الأصوات التي لم تكتفِ بتوثيق هذا التحول، بل شاركت في قراءته وصياغة أسئلته الثقافية والجمالية، عبر كتابة تؤمن بأن السينما ليست مجرد صورة تُشاهد، بل معنى يُكتشف، وحياة تُقرأ من جديد.