صالح الشادي
في عام 1973، كنا طلبة مدينة حائل، نصطفُّ لاستقبال الملك فيصل بن عبدالعزيز -رحمه الله- في زيارته التاريخية للمنطقة. رفعنا أصواتنا بنشيد ترحيبي، ما تزال أبياته تتردد في الوجدان حتى هذه اللحظة.
فأهلا بلقياك يا فيصلُ
بمقدمكم شرفت حائل
كنا نردد الأناشيد الوطنية في المدارس منذ الصغر ونحفظها عن ظهر قلب، لكن تلك الوقفة كانت مختلفة. هناك، في حضرة الرجل الذي كان يقود الأمة، شعرت لأول مرة بأن الكلمات ليست مجرد قوافٍ مقفاة، بل هي نبض يلامس جوهر الهوية. فالكتابة للوطن شيء مختلف: ليست قصيدة عابرة، بل حوار مع الأرض والتاريخ، وعهد ولاء لا ينقضي.
كتبت أول الأعمال الوطنية وأنا في المرحلة المتوسطة وأذكر أنه قد عرض على مسرح ثانوية القريات، قدمناه نشيداً وعزفاً مع ثلة من زملاء الدراسة.. وفي المرحلة الجامعية، على مسرح جامعة الملك عبدالعزيز، أوائل الثمانينات، واصلت الكتابة وأقمنا الأمسيات الوطنية، وكان الوطن جوهرتنا التي نتغنى بها. ثم جاءت حرب الخليج وغزو الكويت، فتحولت المشاعر إلى ورش عمل مع زملائي من الوسط الفني. كتبتُ لطلال مداح، وعبادي الجوهر، ومحمد عمر وعبدالله رشاد وغيرهم، بألحان سامي إحسان ومحمد شفيق. رحم الله الأموات منهم كان الفن سلاحاً، والكلمات درعاً، والوسط الفني بكامله منشغلاً بالدفاع عن الحدود ومؤازرة الجند، عبر الأغاني الحماسية التي بثتها الإذاعات، إلى جانب ما كنا ننشره في الصحف والبرامج التلفزيونية من قصائد وأهازيج. وهنا لا يفوتني أن أذكر بكل اعتزاز جهد شعرائنا وكتابنا وملحني وفناني هذا الوطن الغالي، الذين سطروا بحروفهم وألحانهم أروع ملاحم العطاء.
في عام 1995، استدعاني سمو الأمير بدر بن عبدالعزيز -رحمه الله- إلى الرياض، وكان آنذاك نائباً لرئيس الحرس الوطني، وكلفني رسمياً بكتابة أوبريت الجنادرية، قبل انطلاقته بتسعة أشهر. كانت البداية مع الموسيقار الراحل محمد شفيق، في رحلة أشبه بكتابة التاريخ. كنا نلتقي الأمير بدر شهرياً، فيطلع على ما أنجزناه ويوجهنا، وينقل لنا ملاحظات فقيدنا الملك عبدالله بن عبدالعزيز -رحمه الله- الذي كان ولياً للعهد ورئيساً للحرس الوطني. لا أنسى حرصه -طيب الله ثراه- على أن تذكر كلمة التوحيد، وأن يكون للشباب ومستقبلهم نصيب وافر في مضامين الأوبريت. اجتمعنا بلجان متخصصة لمراجعة النص وفسحه، في رحلة جميلة امتدت أشهراً بين جدة والرياض والكويت والقاهرة. وفي عام 1996، قدم العمل برعاية الملك فهد بن عبدالعزيز -رحمه الله- وحضور الملك تشارلز (ولي عهد بريطانيا حينها)، ورؤساء دول الخليج، وجمع من رموز العالم العربي والإسلامي. لم يكن الأوبريت مجرد أغنية، بل كان حاضنة لمفاهيم وطنية ودينية وسياسية، تحمل رسائل القيادة الرشيدة إلى الداخل والخارج، تمجيداً لهذا الوطن المقدس في قلوبنا وأعيننا.
وفي عام 1997، تشرفت بكتابة أول أوبريت يُعرض على الاستاد الرياضي بالمدينة المنورة، بتكليف من أميرها الأمير عبدالمجيد بن عبدالعزيز -رحمه الله- احتفاء بزيارة الأمير سلطان بن عبدالعزيز -غفر الله له- . تغنى به الفنان محمد عبده والفنان عبدالمجيد عبدالله. وهنا أخذ الأوبريت بعداً آخر، فالتغني بمدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسيرته العطرة، والاحتفاء بحضرة قامة كالأمير سلطان، منح مفهوم الكتابة للوطن عمقاً روحياً وتاريخياً جديداً. ثم توالت كتاباتي للأوبريتات، منها زيارة الملك عبدالله -رحمه الله- لمنطقة الجوف برفقة إخوانه الأمراء سلطان وعبدالرحمن ونايف -رحمهم الله- كان الأداء إلقاءً وغناءً واستعراضاً تراثياً شبابياً. وتعددت المشاركات في عهده رحمه الله، ولا أنسى قصيدتي بين يديه خلال استقباله للمثقفين العرب في الديوان الملكي، والتي تحدثت عن الوضع السياسي العربي وموقف المملكة من قضايا الأمة. وما لمسته من تشجيع أبوي كريم. ولا أنسى ما نشر لي من قصائد تعبر عن عشق هذا الوطن الشامخ في الصحف والتلفاز والإذاعة والأمسيات، وما طبع من دواوين على مدى عقود، وكلها ثمرة لنبض القلب الذي لا يملك إلا حبه لوطنه.
ثم تشرفت بعد ذلك بكتابة أول عمل وطني بعد أن تولى مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- مقاليد الحكم، عبرت فيه عن نبض الشعب مع الفنان محمد عبده. وتوالت الأعمال، فكتبتُ بمناسبة زيارته -أيده الله- لمنطقة حائل، احتفاءً بمقدمه الميمون برفقة سيدي ولي العهد -حفظه الله-. كما تشرفت بكتابة أول عمل وطني بمناسبة تولي سموه ولاية العهد، مع الصديق الفنان طلال سلامة.
وفي زيارة الرئيس ترامب الأولى للمملكة، عبرنا أنا والفنان محمد عبده من خلال عمل وطني عن سياسة المملكة الداخلية والخارجية، وعن سيادتها التي لا تقبل المساس، وعن علاقتها بأمريكا ودول العالم.
تنوع ما كتبته من أوبريتات في جدة والطائف ومكة ونجران وجازان وأبها والجوف والرياض وغيرها من المحافظات، وكلها كانت تتحدث عن الوطن والمواطن والقيادة، تتغنى بمفردات تراثية ورمزية عن البيئة وتفاصيلها، وعن الإنسان والمحتوى بجوهره وطعمه المحلي.
لا أذكر مناسبة وطنية إلا وكان لنا -كوسط فني وكتاب- فيها مشاركة. الجميع تغنى وكتب واجتهد من أجل الوطن، فجزاهم الله عن هذا الكيان المقدس خير الجزاء.
الأوبريت أو العمل الغنائي الوطني ليس مجرد قصيدة، بل هو حكاية وطن، وتفاصيل عمق الانتماء.
خمسون عاماً وأنا أكتب للوطن، من حائل إلى الجنادرية، من المدينة المنورة إلى الجوف، من عهد الملك فيصل إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وولي عهده الأمين -حفظهما الله-. أغان وأمسيات ودواوين ولقاءات والعشرات من الأعمال والقصائد.. وفي كل مرة، أكتشف أنني لم أكتب شيئاً بعد وأن عشق الوطن لا ينتهي، وأن الكلمات التي تفيض من القلب تظل خالدة في ذاكرة الأجيال.
وطننا ليس مجرد تراب وجبال وبحار، بل هو تلك اللحظة التي نقف فيها صفاً واحداً، ونرفع الصوت بالتوحيد، ونكتب بالدمع والفرح حكاية لا تُروى إلا مرة واحدة في العمر. فالحمد لله على نعمة الوطن وقادته العظماء الراشدين، والحمد لله أن جعلنا من أبنائه.