صبحي شبانة
في كل مرحلة من مراحل التاريخ الإنساني كانت هناك قوى تصنع الوعي العام وتؤثر في اتجاهات المجتمعات، تغيرت الأدوات وتبدلت الوسائل، لكن بقيت معركة التأثير واحدة من أهم المعارك التي تحدد شكل الحاضر ومسار المستقبل، فمن المنابر التقليدية إلى الصحافة والإذاعة والتلفزيون، ظلت عملية تشكيل الرأي العام مرتبطة بدرجات متفاوتة من الخبرة والمعرفة والمؤسساتية، أما اليوم، فقد دخل العالم مرحلة جديدة أعادت تعريف مفهوم التأثير ذاته، بعد أن أصبحت منصات التواصل الاجتماعي لاعبًا رئيسيًا في صناعة الرأي العام وتوجيه السلوك الفردي والجماعي.
هذه التحولات لم تكن مجرد تطور تقني طبيعي، بل أحدثت تغيرًا عميقًا في موازين القوة الرمزية داخل المجتمعات، فبينما كان المثقف والكاتب والأستاذ الجامعي والصحفي والباحث يحتلون موقعًا متقدمًا في صناعة الوعي، برزت فئة جديدة من المؤثرين الذين استطاعوا الوصول إلى جماهير واسعة خلال فترات زمنية قصيرة، مستفيدين من خوارزميات رقمية تكافئ ما يثير الانتباه ويحقق الانتشار السريع، أكثر مما تحتفي بالمحتوى الذي يضيف معرفة أو يبني وعيًا.
ولا يمكن النظر إلى هذه الظاهرة بوصفها قضية ترفيهية أو إعلامية عابرة، لأن تأثيرها تجاوز حدود المحتوى الرقمي ليطال الثقافة والاقتصاد والسياسة والتعليم وأنماط التفكير والسلوك الاجتماعي، ولذلك أصبح من الضروري فهم هذه التحولات بعيدًا عن الأحكام الانفعالية أو المواقف المتشددة، وبعيدًا أيضًا عن الاحتفاء غير المشروط بكل ما تفرزه المنصات الرقمية.
لقد منحت التكنولوجيا الحديثة الأفراد قدرة هائلة على التعبير والوصول إلى الجمهور، وهو أمر يحمل في جوهره جانبًا إيجابيًا لا يمكن إنكاره، فالكثير من أصحاب الخبرات والمهارات وجدوا فرصة للوصول إلى ملايين المتابعين دون الحاجة إلى المرور عبر المؤسسات التقليدية، كما ظهرت نماذج ناجحة لمؤثرين قدموا محتوى علميًا وثقافيًا وتعليميًا أسهم في نشر المعرفة وتعزيز الوعي لدى قطاعات واسعة من الجمهور.
غير أن الوجه الآخر لهذه الصورة يكشف عن ظاهرة أكثر تعقيدًا، فالنموذج الأكثر انتشارًا وربحية وتأثيرًا لم يكن دائمًا النموذج الأكثر علمًا أو فائدة، بل غالبًا ما كان النموذج الأكثر قدرة على إثارة الجدل أو استثارة العواطف أو جذب الانتباه، وهنا بدأت معادلة جديدة في التشكل، معادلة أصبح فيها عدد المشاهدات والمتابعين مؤشرًا للقيمة، وأصبح الانتشار السريع هدفًا في حد ذاته، بغض النظر عن مضمون الرسالة أو أثرها.
وتكمن خطورة هذه المعادلة في أنها تعيد تشكيل الذائقة العامة بصورة تدريجية، فالمحتوى الذي يعتمد على السرعة والاختزال والإثارة يخلق جمهورًا يعتاد هذا النمط من التلقي، ويجد صعوبة متزايدة في التعامل مع المحتوى العميق أو التحليلي الذي يحتاج إلى وقت وتركيز وتأمل، ومع مرور الوقت تتراجع مساحة النقاش الجاد لصالح الرسائل السريعة، ويتحول التعقيد الطبيعي للقضايا الكبرى إلى شعارات مبسطة أو مقاطع قصيرة لا تسمح بفهم حقيقي للواقع.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تكتفي بإنتاج محتوى سطحي، بل تعيد تشكيل معايير النجاح والنجومية داخل المجتمع، فبعد أن كانت المكانة الاجتماعية ترتبط في الغالب بالإنجاز العلمي أو الفكري أو المهني، أصبحت الشهرة الرقمية في بعض الأحيان كافية لمنح صاحبها نفوذًا واسعًا وتأثيرًا يتجاوز حدود تخصصه وخبرته.
ولعل ما يحدث اليوم يعيد إلى الأذهان مراحل سابقة شهدت صعود أنماط فنية وثقافية شعبوية اعتمدت على البساطة المفرطة والخطاب المباشر، غير أن الفارق كبير بين الأمس واليوم، ففي زمن الأغاني الشعبوية التي ارتبطت بأسماء مثل الراحلين احمد عدوية، وشعبان عبد الرحيم وغيرهما الكثير مما تعج بهم الساحة الان، كانت الظاهرة محصورة في إطار فني محدد، أما اليوم، فإن الشعبوية أصبحت نمطًا عامًا يمتد إلى الثقافة والإعلام والسياسة وحتى تشكيل الرأي العام.
لقد انتقلت حالة «السح الداح أمبو» من الأغنية إلى الفضاء العام بأكمله، لم تعد مجرد كلمات خفيفة في عمل فني، بل تحولت إلى طريقة في التفكير والتلقي والتفاعل، وأصبح التبسيط المخل فضيلة، والعمق تهمة، والمعرفة عبئًا، بينما يُكافأ من يجيد الإثارة أكثر ممن يجيد التفكير.
ومن المفارقات اللافتة أن هذه التحولات تتزامن مع أزمة متنامية في القراءة. فالأمة التي كانت أول كلمة نزلت في رسالتها السماوية هي «اقرأ»، تواجه اليوم تحديًا حقيقيًا في علاقتها بالكتاب والمعرفة، وبينما تتزايد ساعات التفاعل مع المنصات الرقمية، تتراجع معدلات القراءة العميقة والاطلاع المنهجي لدى قطاعات واسعة من الشباب، ولا يتعلق الأمر هنا بالمقارنة بين الكتاب والهاتف، بقدر ما يتعلق بطبيعة العلاقة مع المعرفة نفسها، فالقراءة تعلم الصبر والتأمل والتحليل، بينما يدفع المحتوى السريع في كثير من الأحيان نحو الاستهلاك اللحظي للمعلومات دون تمحيص أو مراجعة.
ومن أخطر نتائج هذه البيئة الرقمية أن بعض المؤثرين باتوا يتحدثون في السياسة والاقتصاد والدين والعلاقات الدولية من دون تأهيل علمي أو خبرة مهنية كافية، وتتحول آراؤهم إلى مواقف يتبناها آلاف وربما ملايين المتابعين، وهكذا يصبح الرأي العام عرضة للتوجيه من قبل أشخاص لم يمنحهم المجتمع سلطة معرفية، بل منحتهم المنصات سلطة رقمية.
إننا أمام نوع جديد من النفوذ، لا يستمد قوته من العلم ولا من الخبرة ولا من الإنجاز، وإنما من عدد المتابعين، وهذه معادلة خطيرة، لأنها تجعل الشهرة بديلًا عن الكفاءة، وتجعل الانتشار معيارًا للحقيقة، وتمنح الانفعال أولوية على التفكير والتحليل.
وليس من الصعب ملاحظة انعكاسات هذا التحول على المجال العام العربي، فالقضايا التي كانت تخضع للنقاش والتحليل أصبحت تُختزل في عبارات قصيرة، والأحداث المعقدة تُقدم أحيانًا في صورة تبسيطات مفرطة تفتقر إلى السياق والخلفية، ومع تكرار هذا النمط تتشكل لدى بعض المتلقين رؤية مجتزأة للعالم، قائمة على الانطباعات السريعة أكثر من اعتمادها على المعرفة المتماسكة.
ومع ذلك، فإن تحميل المؤثرين وحدهم مسؤولية ما يحدث سيكون تبسيطًا للمشكلة، فصعودهم لم يحدث في فراغ، بل جاء في سياق تراجع أدوار مؤسسات عديدة كانت تاريخيًا مسؤولة عن إنتاج المعرفة وتقديمها بصورة جاذبة ومؤثرة، وعندما تتراجع هذه المؤسسات أو تفشل في مواكبة التحولات الرقمية، يملأ الفراغ لاعبون جدد يمتلكون أدوات أسرع وأكثر قدرة على الوصول إلى الجمهور.
ومن هنا فإن المشكلة ليست في وجود المؤثرين بحد ذاته، بل في غياب التوازن داخل الفضاء الرقمي. فالمجتمعات الصحية لا تقوم على صوت واحد أو نمط واحد من المحتوى، وإنما على التنوع والتعددية وتكافؤ الفرص بين المعرفة والترفيه، وبين التحليل والتسلية، وبين الخبرة والشعبية.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن التكنولوجيا ليست عدوًا للمعرفة، بل يمكن أن تكون أحد أهم أدوات نشرها، فالمنصات نفسها التي تروج أحيانًا للمحتوى السطحي قادرة أيضًا على إيصال المحتوى العلمي والثقافي إلى ملايين الأشخاص إذا أُحسن استخدامها، ولذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في مقاومة العصر الرقمي، بل في فهمه والتكيف معه وتطوير أدوات أكثر فاعلية للعمل داخله.
وتقع مسؤولية هذا التحول على عدة أطراف، فالمؤسسات التعليمية مطالبة بتعزيز مهارات التفكير النقدي لدى الأجيال الجديدة، والإعلام مطالب بإنتاج محتوى مهني قادر على المنافسة، والمؤسسات الثقافية مطالبة بالخروج من القوالب التقليدية والتواصل مع الجمهور بلغته وأدواته الحديثة، كما أن الأسرة تبقى عنصرًا أساسيًا في بناء الوعي وترسيخ ثقافة القراءة والمعرفة.
وفي المقابل، يتحمل الجمهور نفسه جزءًا من المسؤولية، فالمتلقي لم يعد مجرد مستقبل سلبي للمحتوى، بل أصبح شريكًا في تحديد ما ينتشر وما يتراجع، وكل مشاهدة أو مشاركة أو تفاعل هي في النهاية تصويت غير مباشر على نوع المحتوى الذي يستحق البقاء والانتشار.
إن العالم العربي يقف اليوم أمام مفترق طرق مهم في علاقته بالفضاء الرقمي، فإما أن تتحول المنصات إلى أدوات لتعزيز المعرفة وإثراء النقاش العام، وإما أن تصبح ساحات تهيمن عليها الإثارة والضجيج والشعبوية الرقمية، وبين هذين المسارين تتحدد ملامح المستقبل الثقافي والفكري للأجيال القادمة.
لقد أصبح التأثير الرقمي حقيقة لا يمكن تجاهلها، كما أصبح المؤثرون جزءًا من المشهد الإعلامي والاجتماعي المعاصر، لكن السؤال الأهم لا يتعلق بوجودهم، بل بطبيعة الدور الذي يؤدونه، وبالمعايير التي تحكم علاقتنا بهم، فالمجتمعات التي تجعل الشهرة معيارًا وحيدًا للتأثير تخاطر بتهميش الكفاءة والمعرفة، أما المجتمعات التي تنجح في الموازنة بين قوة الانتشار وقيمة المحتوى، فإنها تمتلك فرصة حقيقية لتحويل التكنولوجيا إلى قوة دافعة للتقدم.
ولا ينبغي النظر إلى هذه الظاهرة باعتبارها مجرد تحول في أنماط الترفيه أو التواصل الاجتماعي، فالأمر يتجاوز ذلك بكثير، فعندما تصبح الشهرة مصدرًا للشرعية، ويحل عدد المتابعين محل الخبرة والمعرفة، فإن المجتمعات تدخل منطقة شديدة الحساسية والخطورة، ذلك أن الأجيال الجديدة لا تتلقى المحتوى فحسب، بل تبني من خلاله تصوراتها عن النجاح والقيمة والقدوة والمسؤولية.
ومن هنا يبرز الخطر الحقيقي. فالدول التي تسمح بتراجع مكانة العلم والمعرفة لصالح ثقافة الانتشار السريع، قد تجد نفسها أمام أجيال تمتلك أدوات التواصل أكثر مما تمتلك أدوات التفكير، وتجيد صناعة الصورة أكثر مما تجيد إنتاج المعرفة وصناعة الإنجاز، وعندما تتسع الفجوة بين التأثير والكفاءة، يصبح المجال العام أكثر عرضة للتضليل والاستقطاب وصناعة الانفعالات الجماعية على حساب التفكير الرشيد.
إن ناقوس الخطر لا يدق بسبب وجود المؤثرين في حد ذاته، فالتأثير الرقمي أصبح جزءًا من واقع العصر، وإنما يدق حين تتحول المنصات إلى البديل الوحيد للمعرفة، وحين تصبح الخوارزمية هي المرجع الأعلى في تشكيل الوعي الجمعي، عندها لا تكون القضية هي قضية محتوى عابر أو ترند مؤقت، بل قضية أمن فكري وثقافي تمس مستقبل الدول، واستقرار المجتمعات، وقدرة الأجيال القادمة على التمييز بين الحقيقة والضجيج، وبين المعرفة والشهرة، وبين من يصنع الوعي ومن يستهلكه.
وفي النهاية، تبقى المعركة الحقيقية ليست بين المؤثرين والمثقفين، ولا بين المنصات والكتب، بل بين نمطين من الوعي، وعي يسعى إلى الفهم والتحليل وبناء الإنسان، ووعي يكتفي بالإثارة العابرة والانفعال اللحظي، والتاريخ يعلمنا أن الأمم التي انتصرت للعلم والمعرفة بقيت وأثرت، بينما تلاشت موجات الضجيج مهما بدت قوية في لحظتها، ولذلك فإن الرهان الأكبر سيظل على قدرة الإنسان العربي على أن يجعل من الشاشة نافذة للمعرفة، لا مجرد مرآة للسطحية، وأن يحول أدوات العصر إلى وسائل للبناء لا للاستهلاك، وللوعي لا للضجيج.