د. جمال الراوي
من العجيب أن كثيرًا من الناس يظنون أن الأذى لا يكون إلا بالضرب والشتم والعدوان الصريح، بينما الحقيقة أن أكثر الأذى الذي يفسد حياة البشر لا يأتيهم دائمًا من صور الشر الكبيرة، وإنما يتسرب إليهم من سلوكيات صغيرة متكررة، يفعلها الناس كل يوم دون أن يشعروا بثقلها، أو يستحضروا ما تتركه من ضيق وحرج وضرر.
فالإنسان قد يكون في نظر نفسه صالحًا، مستقيمًا، لا يسرق مالًا، ولا يعتدي على دم، ولا يظلم أحدًا ظلمًا بينًا، ثم هو – في الوقت نفسه – يؤذي عشرات الناس في طريقهم، ويضيق عليهم في ممراتهم، ويفسد عليهم راحتهم وسلامتهم، دون أن يلتفت إلى أن هذا كله لون من الظلم، وصورة من صور فساد النفس حين تضيق بالآخرين، ولا ترى في الوجود إلا حاجاتها ومصالحها ورغباتها العاجلة.
وتأمل كم من أذًى يومي نمر به في الطرقات والأحياء والمواقف والشوارع، حتى أصبح بعضه مألوفًا لكثرة تكراره، مع أنه – في حقيقته – ليس أمرًا هينًا كما نظن.
فلو أنك خرجت تتأمل أحوال الناس في الطريق، لرأيت كم من خلل أخلاقي ونفسي يطفو على السطح في هذه المساحة الصغيرة التي يظنها كثيرون مجرد «شارع» لا أكثر، بينما هي في الحقيقة ميدان واسع تختبر فيه أخلاق الناس، وتنكشف فيه طبائعهم، وتظهر فيه درجة احترامهم لغيرهم.
تجد أحدهم يبني عمارةً؛ فيقوم بتكديس الرمل والإسمنت وأدوات البناء في الشارع المقابل لعمارته، وقد يسده بصورة كاملة، أو يترك فسحةً ضيقةً وممرًا صغيرًا للمارة، وإذا كان كريمًا في نظر نفسه، جعل الممر أوسع قليلًا؛ ليسمح بمرور السيارات، التي تجد صعوبةً في اجتيازه بسبب تراكم الأخشاب والحديد، وتبعثر الحصى، وانتشار المسامير التي تتربص بالعجلات.
وكأن الطريق لم يعد حقًا مشتركًا لعامة الناس، بل صار ملكًا خاصًا له، يتصرف فيه كيف شاء، ويعيد تشكيله بما يخدم مصلحته وحده، دون أن يكلف نفسه أن يسأل:
كم إنسانًا سيتأذى من هذا؟
وكم بيتًا قد يتعطل؟
وكم خطرًا قد ينشأ من هذا العبث؟
وقد تعرض معظمنا لحالات «بنشر» في عجلات السيارة؛ بسبب دخول المسامير إلى إطاراتها، لوجود عمارات قيد البناء بالقرب من السكن، أو بسبب أعمال صيانة مهملة في الطرقات، أو بسبب بقايا حديد وخشب ومخلفات تركها أصحابها ورحلوا.
وهي حوادث يراها بعض الناس أمرًا عابرًا بسيطًا، بينما هي في الحقيقة قد توقع الإنسان في حرج شديد، لأنها لا تأتي دائمًا في وقت فراغ وهدوء، بل قد تأتي وهو في طريقه إلى عمل مهم، أو إلى مستشفى، أو إلى موعد مصيري، أو أثناء اصطحابه لوالد كبير، أو طفل صغير، أو امرأة مريضة.
بل قد تتجاوز المسألة حدود الإزعاج والتعطيل، لتصبح خطرًا حقيقيًا على الأرواح؛ إذا دخل مسمار كبير في العجل الأمامي، أو تمزق الإطار فجأةً في طريق سريع، فيفقد السائق السيطرة على مركبته، وربما انتهى الأمر بحادث أو انقلاب أو مأساة لا تخطر في بال من ألقى ذلك المسمار أو تركه في مكانه ثم مضى غير عابئ.
وهنا تتجلى إحدى مشكلات النفس الإنسانية: أنها كثيرًا ما تستهين بالأذى الذي لا ترى نتيجته المباشرة.
فالإنسان إذا لم يسمع صراخ من تضرر، ولم يشهد الحادث بعينه، ولم يعاين ارتباك من تعطلت سيارته في طريق مظلم، ظن أن الأمر تافه لا يستحق التوقف. وهذه من أخطر العيوب؛ لأن الشرور الكبرى كثيرًا ما تبدأ من استهانة صغرى، ومن قسوة خفية، ومن غياب الإحساس بالآخر، لا من نية الإجرام الصريحة وحدها.
وتمر بسيارتك في شارع ضيق، فتفاجأ بشابين يجلسان في سيارتيهما المتعاكستين؛ يتبادلان الحديث فيما بينهما، غير عابئين بالسيارات التي تصطف خلفهما، ولا بالناس الذين تعطلت مصالحهم، ولا بالوجوه المتجهمة التي تنتظر أن تنتهي هذه الجلسة الودية التي كان يمكن أن تتم في أي مكان آخر.
وتبقى أنت وغيرك معلقين، تنتظرون مكرمةً منهما حتى يفسحا الطريق، لأن أحدهما لم يكلف نفسه أن يركن جانبًا، أو ينزل بضع خطوات ليتحدث مع صاحبه.
وقد تبدو هذه صورةً بسيطةً في ظاهرها، لكنها تكشف – في باطنها – عن نفس لم تترب على مراعاة الناس، ولا على استشعار حقهم في الطريق، بل اعتادت أن تتصرف كأن الآخرين تفاصيل زائدة، وكأن أوقاتهم وأشغالهم وحقوقهم أقل وزنًا من مزاجها العابر.
وقد يصادفك صاحب سيارة أغلق الممر من خلفه في أحد مواقف السيارات؛ ينتظر سيارةً أخرى تريد مغادرة الموقف، حتى يركن سيارته مكانها، وقد يطول الانتظار أو يقصر، وتجد نفسك مجبرًا على الوقوف خلفه، لأن السائق رأى مكانًا قريبًا فأراد الاستئثار به، وكأنه ظفر بغنيمة لا يجوز أن تفلت من بين يديه. وقد تكون الأمكنة الفارغة الأخرى لا تبعد إلا أمتارًا قليلة، لكنه لا يريد أن يمشي تلك الخطوات، ولو كان ثمن راحته أن يعطل عشرات الناس خلفه. وهذه صورة شديدة الدلالة على نزعة خفية في النفس، تجعل الإنسان يضخم تعبه هو، ويهون تعب غيره، ويشعر – من حيث لا يدري – أن راحته الشخصية مقدمة على النظام العام، وعلى حقوق الآخرين.
وتجد نفسك – أحيانًا – في حالة من الزحام الشديد وسط السيارات في أحد الطرقات، فتصبر مثل غيرك، وتقف في طابور الانتظار، احترامًا للنظام، وتسليمًا بحق الناس في الأسبقية والعدل، فتفاجأ بسيارات أخرى يرفض أصحابها هذا العدل في الانتظار، فيأتون عن يمينك وعن شمالك، يزحمونك، ويحشرون مركباتهم بين السيارات، ويريدون أن ينتزعوا لأنفسهم موضعًا بالقوة أو بالمكر أو بالإحراج.
وهم لا يفعلون ذلك لأن حياة أحد منهم على المحك، ولا لأنهم يحملون بين أيديهم قضيةً عظيمة، بل لأنهم لا يحتملون أن يكونوا مثل غيرهم، أو أن يخضعوا للنظام الذي يخضع له الجميع.
يريدون أن يكسبوا دقائق معدودة، لا تغير في حياتهم شيئًا، لكنهم في سبيل ذلك مستعدون لإرباك السير، وتعطيل غيرهم، وإفساد روح النظام، وإشاعة الفوضى في المكان.
وهؤلاء لا يدركون أنهم لا يختصرون الوقت في الحقيقة، بل يسرقونه من غيرهم، ولا يحلون الأزمة، بل يزيدونها اختناقًا، ولا يثبتون ذكاءً أو فطنة، بل يكشفون عن ضيق خلق، وعجز عن احتمال الانتظار، وضعف في احترام العدالة حين لا تكون في صالحهم المباشر. والإنسان الذي لا يصبر على دقائق قليلة في طريق مزدحم، كثيرًا ما يكون عاجزًا – في مواضع أخرى من الحياة – عن احتمال ما هو أكبر، لأن في نفسه ميلًا دفينًا إلى الاستعجال والأنانية والتمرد على كل ما يحد رغبته.
وهناك ظاهرة أخرى؛ نراها من بعض السائقين، الذين يرمون الفضلات من خلال نوافذ سياراتهم، غير عابئين بنظافة مدنهم، وغير مدركين للأذى الذي قد تسببه تلك المخلفات للمارة أو للسيارات الأخرى، أو لما تتركه من صورة قبيحة في الطرقات والأحياء. وقد يرمي أحدهم علبةً أو كأسًا أو منديلًا أو بقايا طعام، ثم يمضي وكأن شيئًا لم يكن، مع أنه – في الحقيقة – لم يرم قاذورات في الشارع فقط، بل رمى شيئًا من احترامه للحيز العام، وشيئًا من ذوقه، وشيئًا من حسه الأخلاقي. فالمدينة ليست ملكًا للبلدية وحدها، ولا الطريق مسؤولية عمال النظافة وحدهم، بل هي صورة وعي أهلها، ومقدار ما بقي فيهم من حياء جماعي، وإحساس بأنهم يعيشون في مكان مشترك ينبغي أن يبقى صالحًا للعيش، لا أن يتحول إلى ساحة استهتار وفوضى.
بل إن الأذى في الطريق لا يقتصر على الحجر والمسمار والقمامة وسوء الاصطفاف، وإنما يتعداه إلى صور أخرى من الفوضى والاعتداء الخفي؛ كمن يقود سيارته برعونة بين الناس، أو يشغل منبه السيارة بلا حاجة، أو يقف في أماكن ذوي الاحتياجات الخاصة، أو يضع مركبته أمام بوابة بيت أو مخرج سيارة، أو يقود بسرعة هوجاء داخل الأحياء السكنية حيث الأطفال والعجائز والمرضى.
وكل هذه الصور - وإن اختلفت في شكلها - فإنها تلتقي عند أصل واحد: ضعف الإحساس بالآخر، وضيق معنى «الحق العام» في النفس، وفساد تلك المنطقة الدقيقة من الضمير التي تجعل الإنسان يتوقف قبل أن يفعل، ويسأل نفسه: هل يحق لي أن أريح نفسي على حساب غيري؟
والمؤلم حقًا أن كثيرًا من الناس قد يستنكرون الظلم الكبير، لكنهم يمارسون ظلمًا صغيرًا كل يوم دون أن يشعروا. يأنفون من السرقة الصريحة، لكنهم لا يرون بأسًا في سرقة أوقات الآخرين، أو تضييق طرقهم، أو تعكير راحتهم، أو تعريضهم للخطر.
يغضبون إذا وقع عليهم الأذى، لكنهم يتساهلون كثيرًا حين يكونون هم مصدره.
وهذه من أعجب مفارقات النفس الإنسانية؛ إذ قد تتورع عن الكبائر الظاهرة، ثم تتهاون في أذى الناس بحجة أنه «شيء بسيط»، مع أن هذا «البسيط» قد يكون عند الله عظيمًا، إذا ترتب عليه ضرر ومشقة وظلم.
وفي أوروبا والغرب عمومًا، استطاعوا – إلى حد بعيد – أن يتخلصوا من كثير من هذه المظاهر المؤذية والسيئة، وأصبح أفراد مجتمعاتهم أحرص على حقوق بعضهم بعضًا في الشوارع والطرقات والمرافق العامة؛ فتراهم أصحاب صبر وجلد وتحمل، لا يغيب عن بالهم أنهم يعيشون داخل مجتمع له واجبات كما له حقوق، فيحترمون النظام، ويراعون المصلحة العامة، ولا يحاولون الاعتداء على حقوق غيرهم من أجل مكاسب شخصية وأنانية. وليس المقصود هنا تمجيدهم تمجيدًا أعمى، ولا الادعاء أنهم قد بلغوا الكمال، ولكن المقصود أن نعترف – بإنصاف – أنهم نجحوا في بعض السلوكيات المدنية التي فشلنا نحن في المحافظة عليها، مع أن ديننا أولى الناس بها، وأسبق الأمم إلى تعليمها وترسيخها.
وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة حقًا؛ فنحن نملك من التعاليم والقيم ما يجعل شوارعنا أرحم، وطرقاتنا أنظف، وتعاملاتنا أرقى، لكننا -في كثير من الأحيان- نبقي هذه المعاني حبيسة الكتب والخطب والمواعظ، ولا ننزل بها إلى الواقع اليومي. فصرنا – في بعض أحوالنا – نسيء إلى ديننا بسلوكنا، لا لأن الدين قصر في تهذيبنا، بل لأننا قصرنا في الأخذ به، واكتفينا من كثير من معانيه بالشعارات، دون أن نترجمها إلى أدب حي يمشي على الأرض.
وقد ورد في الحديث الشريف: «الإيمان بضع وسبعون -أو بضع وستون- شعبةً، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق».
وفي هذا الحديث إشارة بليغة وعميقة إلى أن إماطة الأذى عن الطريق، وإعطاءه حقه، ليست مسألة ذوق اجتماعي فحسب، ولا مجرد سلوك حضاري يمدح فاعله، بل هي شعبة من شعب الإيمان.
وهذا وحده كاف ليجعلنا نعيد النظر في كثير من أحوالنا، لأن الطريق ليس إسفلتًا صامتًا نعبره ثم ننساه، بل هو مساحة اختبار يومي لأخلاقنا، وإيماننا، وإنسانيتنا، وصدق ما نزعمه من صلاح وتقوى.
فالإنسان قد يظن أن الإيمان كلمات تقال، أو مشاعر تستحضر، أو عبادات تؤدى في المساجد والزوايا فحسب، بينما يكشف هذا الحديث العظيم أن الإيمان الحقيقي يفيض من القلب إلى السلوك، ومن العقيدة إلى التعامل، ومن الصلاة إلى الطريق، ومن الذكر إلى احترام الناس.
فكما أنك تؤجر على كلمة التوحيد، فإنك تؤجر أيضًا على إزالة حجر من طريق المسلمين، أو على كف أذاك عنهم، أو على ترك ما يؤذيهم ويعطلهم ويضيق عليهم. وكأن الدين يعلمنا هنا أن الإنسان لا يقاس فقط بما يفعله من الخير، بل يقاس أيضًا بما يكفه من الشر.
ولو تأملنا قليلًا، لوجدنا أن كثيرًا من صور الفساد الاجتماعي تبدأ من هنا: من الاستهانة بالأذى الصغير، ومن ضعف الشعور بالمسؤولية العامة، ومن تربية النفس على الأنانية الخفية، التي تجعل الإنسان يرى نفسه وحدها، ويغفل عن الناس من حوله.
فإذا صلحت هذه المنطقة الصغيرة من الأخلاق، صلحت معها مساحات واسعة من الحياة؛ لأن المجتمع لا ينهض فقط بالقوانين والأنظمة، بل ينهض أيضًا بالضمائر التي تسبق القانون، وبالأخلاق التي تمنع الأذى قبل أن تأتي العقوبة.
فالطريق ليس مجرد ممر نعبره، وإنما مرآة لأخلاق المجتمع.
فإذا امتلأ بالفوضى، دل على فوضى النفوس، وإذا امتلأ بالرحمة والاحترام، دل على نبل الأرواح. وإن من أعظم الخسارات أن يحفظ المرء النصوص، ثم يؤذي الناس في طرقهم، أو يضيق عليهم في مسالكهم، أو يترك لهم من بعده أذًى يمشون فوقه كل يوم، ثم يظن بعد ذلك أنه قد استوفى معاني الدين لمجرد أنه أدى بعض شعائره الظاهرة.
فإماطة الأذى عن الطريق لا تعني فقط أن ترفع حجرًا أو تزيل مسمارًا، بل تعني – في معناها الأعمق – أن ترفع من نفسك طباع الفوضى والأنانية والاستهانة بحقوق الآخرين، وأن تزيل من قلبك هذا الاستعداد الخفي لإيذاء الناس من أجل راحتك الشخصية.
فإذا نجحت في ذلك، فقد أزلت أذًى أكبر من الحجر والمسمار والقمامة: أزلت أذى النفس حين تستطيل على غيرها، وتنسى أن الطريق ليس لها وحدها، وأن الحياة لا تستقيم إلا إذا تعلم الإنسان كيف يضبط نفسه قبل أن يطالب غيره بالانضباط.
وما أحوجنا اليوم إلى أن نفهم أن الحضارة لا تبدأ من الأبراج العالية، ولا من الشوارع العريضة، ولا من كثرة السيارات والخرائط والمشاريع، وإنما تبدأ من إنسان يعرف كيف يمشي بين الناس دون أن يؤذيهم، وكيف يقود مركبته دون أن يظلمهم، وكيف يترك المكان الذي مر به أصلح مما كان عليه. فذلك – في حقيقته – لون من العبادة، ووجه من وجوه الرحمة، ودليل على أن الإيمان لم يبق حبيس اللسان، بل نزل إلى الأرض، وسار بين الناس، وظهر في أبسط تفاصيل الحياة.
فليس كل متدين رحيمًا، ولا كل واعظ مهذب السلوك، ولا كل من أكثر الكلام عن الأخلاق قد نجح في حملها إلى الواقع. وإن من أصدق المواضع التي تعرف بها معادن الناس، تلك اللحظات التي لا يراقبهم فيها أحد، حين يكون الطريق خاليًا من المحاسبة المباشرة، ولا يمنعهم من الأذى إلا ما بقي فيهم من ضمير. هناك يظهر الإنسان على حقيقته؛ هل هو ممن يمر خفيفًا على الخلق، أم ممن يترك وراءه الضيق والاختناق والتعب؟
وكم من إنسان لا يملك مالًا يتصدق به، ولا جاهًا ينفع به، ولا علمًا يعلمه، لكنه يستطيع كل يوم أن يكون صالحًا بهذا المعنى البسيط العظيم: أن يكف أذاه عن الناس، وأن يسهل عليهم طريقهم، وأن يترك خلفه أثرًا نظيفًا، لا شوكةً ولا حجرًا ولا ضيقًا ولا فوضى.
ورب عمل صغير في عين صاحبه، يكبر عند الله حتى يكون سبب نجاة ورفعة؛ لأنه خرج من نفس رحيمة تعرف أن أعظم الخير أحيانًا ليس في أن تصنع شيئًا خارقًا، بل في أن تمنع عن الناس شرًا كان يمكن أن يقع عليهم بسببك.
وما أرق الإيمان حين يتحول إلى رحمة تمشي على الأرض، وما أجمل الإنسان حين يكون وجوده في الطريق أمانًا لا عبئًا، وراحةً لا قلقًا، وتيسيرًا لا تعسيرًا.
فليس الطريق مكانًا للعبور فقط، بل موضع شهادة يومية على ما في القلب؛ فمن طابت نفسه، طاب أثره، ومن صلحت سريرته، صلح مروره بين الناس، لأن الأرواح المؤمنة لا تكتفي أن تنجو بنفسها، بل تحب أن يكون العالم من حولها أقل أذًى، وأخف قسوة، وأقرب إلى الرحمة.