أ.د.عثمان بن صالح العامر
من أكثر الوزارات ارتباطاً بالجيل الجديد وتأثراً بثقافة التغيير والتطور، (وزارة التعليم)، التي شهدت خلال العقود الماضية تحولات متتابعة في أهدافها وفلسفة عملها كما هو معلوم. حيث بدأت باسم (مديرية المعارف) في عهد الموحد البطل جلالة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود رحمه الله عام 1344هـ، ثم صارت (وزارة للمعارف) 1373هـ، في مرحلة تاريخية مفصلية كان التركيز فيها منصباً على نشر التعليم الأساسي ومحو الأمية وبناء الإنسان القادر على القراءة والكتابة. وقد تولى صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبدالعزيز آل سعود رحمه الله مسؤوليتها كأول وزير للمعارف، وكانت الوزارة حينذاك تشرف على تعليم البنين فقط، دون الإناث، حيث أنشئت بعد أن تقبل المجتمع فكرة تعليم الفتاة عام 1380هـ جهة مستقلة تشرف على تعليمها ألا وهي (الرئاسة العامة لتعليم البنات)، وفي عام 1423هـ تم دمج الرئاسة مع الوزارة تحت مسمى (وزارة التربية والتعليم)، حين أصبح البعد التربوي وبناء الشخصية والقيم جزءاً أصيلاً في العملية التعليمية، وقد عاصرت شخصياً مخاض هذا الدمج الصعب حين كنت مديراً عاماً للتربية والتعليم في منطقة حائل.
ومع تسارع المتغيرات العالمية، وتبدل احتياجات سوق العمل، وتغير طبيعة المعرفة نفسها، أصبح من الضروري إعادة تعريف الدور التعليمي بصورة أشمل، فجاء في عام 1436هـ مسمى “وزارة التعليم” بعد دمج التعليم العام والعالي والتعليم الفني والتدريب المهني، مع بعضها البعض في خطوة تعكس فهماً جديداً لوحدة المسار التعليمي من المدرسة حتى سوق العمل.
واليوم لم يعد دور الوزارة كما كان في السابق. فلم تعد مهمتها تقتصر على تقديم المناهج أو منح الشهادات، بل أصبحت أقرب إلى صناعة الإنسان القادر على التكيف والإبداع والمنافسة. فالتركيز في عالمنا المعاصر يتجه نحو المهارات، والابتكار، والتفكير النقدي، والقدرة على التعلم المستمر.
إن العالم الحديث لا يبحث عن حافظٍ للمعلومات بقدر ما يبحث عن شخص يمتلك مهارة التحليل، والعمل الجماعي، والتقنية، والقدرة على صناعة الحلول. ولذلك أصبح التعليم مرتبطاً ببناء المهارات الحياتية والمهنية، وإعداد جيل قادر على التعامل مع اقتصاد المعرفة ومتطلبات المستقبل.
ومما نعتز به ونفخر ونفاخر أن وطننا العزيز المملكة العربية السعودية نجح في إدراك هذه التحولات مبكراً ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي وضعت الإنسان السعودي محوراً للتنمية، وربطت التعليم بسوق العمل وجودة الحياة والتنمية الاقتصادية. ولهذا صار الهدف الرئيس لوزارة التعليم ومسؤوليته المباشرة اليوم بناء إنسان المستقبل (مهارياً وقيمياً ومعرفياً) في زمن صار فيه العالم الافتراضي المفتوح أكثر تواجدا من عالمنا الواقعي الذي نحياه، وفي عصر تعاظمت فيه التحديات، وأضحى المنافس لنا في سوق العمل العالمي عبر التجارة الإلكترونية أشد شراسة وأقوى، نعم لا بد من أن يكون البناء لجيل اليوم بناء شموليا متكاملا يستطيع معه الصمود أمام العواصف العاتية التي تتلاعب بعقول النشء أردنا ذلك أم أننا له رافضون، دمتم بخير ودام عزك يا وطني وإلى لقاء والسلام.