د.محمد بن عبدالرحمن البشر
مرابع الأنس كثيرة ومتعددة المشارب، وقد شاهدت بأم عيني مظاهر تلك المتع عبر السنوات الخوالي التي قيَّض الله لي أن أعيشها حتى يومنا هذا، لقد كان بعض سكان المدن الذين استوطنوها طلبًا للرزق قادمين من قرى قريبة، يذهبون إلى قراهم بعد أن يشتد الصيف، ليقضوا بعض الليالي والأيام في تلك البساتين وارفة الظلال، والماء ينساب في الجداول كأنّه ثعبان جار عليه الزمان، فأخذ يمشي الهوينى يبحث عن مأوى، يسيرون بين الجداول وأغصان الأشجار المتشابكة تظللهم، والنسيم ينساب متسللاً ويمر على تلك الجداول ليحمل معه ما أمكنه حمله من بخار ماء فيكسر جفاف الطقس، وحرارة الهواء، وكأنما هو مكيّف صحراوي قبل أن يعرفوه، فيستمتعون بذلك الظل الظليل، والهواء العليل، ومن المعروف أن موسم جني ثمار الفاكهة يكون في فصل الصيف، فيأنسون بجني ما أمكن جنيه من أنواع كثيرة مثل التين، والخوخ، والرمان، والمشمش، والأترنج، وغيرها، ناهيك عن أهم الثمار وأطيبها وأكثرها ديمومة، وهو التمر، زاد المسافر والمقيم، وأهل المدر والوبر وقد قال عنه أمير الشعراء أحمد شوقي:
طَعامُ الفَقيرِ وَحَلوى الغَنِيِّ
وَزادُ المُسافِرِ وَالمُغتَرِب
أما عبدالرحمن الداخل الذي حكم الأندلس، وتوفي بها، في نهاية القرن الثاني الهجري، فقد رأى نخلة في أحد ضواحي قرطبة تسمى الرصافة في منبت ليس منبتها، فقال كما نسب إليه:
تبدّت لنا وسْطَ الرُصافة نخلةٌ
تناءت بأرضِ الغرب عن بلد النخلِ
فقلتُ شبيهي في التغرُّب والنوى
وطولِ التنائي عن بنيّ وعن أهلي
نشأتِ بأرضٍ أنتِ فيها غريبةٌ
فمثلُكِ في الإقصاءِ والمُنتأى مثلي
سقتكِ غوادي المُزن من صَوبها الذي
يسِحُّ وتستمري السِماكَين بالوَبل
طاب للبعض قضاء شيء من أنسهم بجانب الروض في فصل الربيع بعد أن ينزل المطر، ويورق الشجر، ويتلألأ القمر، وتتغطى الرياض بخميلة خضراء، يزيّنها زهر متشابك بين أحمر وأصفر وأبيض وقرمزي وبنفسجي، مثل النرجس، والخزامى، وشقائق النعمان، والأقحوان، والنفل، ويمر عليها النسيم فيحمل عطرها الفواح، وكأنه عطر عروس، فيستمتع من حول الروض بذلك المنظر، وتلك الرائحة التي تشبه رائحة عروس ليلة زفافها.
وابن زيدون الأندلسي مر بروضة الزهراء، فأراد أن يربط ما بين جمالها وجمال حبيبته ولاَّدة بنت المستكفي، التي لا تفارق مخيلته، فقال قصيدته المشهورة، ومنها:
إِنّي ذَكَرتُكِ بِالزَّهْراءَ مُشتاقاً
وَالأُفقُ طَلقٌ وَمَرأى الأَرضِ قَد راقا
وَلِلنَسيمِ اِعتِلالٌ في أَصائِلِهِ
كَأَنَّهُ رَقَّ لي فَاعتَلَّ إِشفاقا
وَالرَوضُ عَن مائِهِ الفِضِيِّ مُبتَسِمٌ
كَما شَقَقتَ عَنِ اللَبّاتِ أَطواقا
اليوم ومع التطور التقني، وتوفر وسائل التواصل الاجتماعي دون مقابل مالي، انكب بعض من الناس على الارتباط الوثيق، بمتابعة ما تبثه من مقاطع يختار منها ما يأنس به ويستهويه، وقد يمضي معظم وقت صحوته وعيناه لا تفارقان شاشة جواله، ناسيًا ما تسببه من آلام في الرقبة والعينين والمنكبين، ومعظم تلك المقاطع غثاء أحوى، وللناس فيما يعشقون مذاهب، والبعض لديه ارتباطات وظيفية ومع هذا فالنظر إلى وسائل التواصل ديدنه، كما أن بعض المجالس العائلية وغير العائلية أضحت خالية من التواصل الإنسانيّ مع وجود الأجساد في مكان واحد بسبب هذا الإدمان على متابعة ما لا يفيد.