إعداد - عبدالله عبدالرحمن الخفاجي:
في المدى الفاصل بين لمعان البريق وعتمة الانفصال، تولد المساحات الفنية الحرة التي تعيد صياغة الذاكرة وتأويل الأسطورة، وحيث احضن حي «جاكس» الفني في الدرعية في لفت جاليري هذا المعرض الذي شهد تدفقاً نخبوياً استثنائياً بحضور أصحاب السمو والمعالي ونخبة من السفراء والدبلوماسيين والمثقفين وعشاق السينما والفن، في ليلة لم تكن مجرد افتتاح لمعرض «وحدها تحت الضوء» إنما تحولت إلى أمسية ثقافية صِيغت بسرد أدبي راقٍ يحوم حول طيف السندريلا سعاد حسني بعد خمسة وعشرين عاماً على رحيلها. هناك في تلك المساحة المفتوحة تدرك فوراً أن الفنون لا تعيش مجزأة لكنها تستمد حياتها من بعضها في تداخل عضوي وثيق فالسينما بوصفها ابنة الضوء والزمن تخلت هنا عن حدودها الشاشاتية الصارمة لتذوب في الفن المعاصر متحدّة بالصوت والتركيب الغامر، ومثبتة كيف يمكن للفنون المعاصرة أن تتكامل معاً للإمساك بالزمن وتفكيك الأيقونة الثقافية وتحويل الحنين الجماعي إلى تجربة بصرية يلمسها المتلقي بوجدانه. ويأخذنا بيان المعرض للقيم الفنية غيداء المقرن وهي تتأمل عند حافة ما تتركه الصورة حين تبقى وحدها، متسائلة عن سر تلك الحكاية التي ما زالت تثير قدراً من الحنين والفضول وتعدد القراءات عبر الأجيال، وعن تلك المسافة الهشة الفاصلة بين الأسطورة العامة والتجربة الإنسانية الخاصة لنجمة حملت أفلامها تحولات مفاهيم الأنوثة والحرية والحداثة، لتتركنا أمام نوافذ متعددة تعيد طرح الأسئلة التي ما زالت تحيط بها حتى اليوم فبين ما عُرف وما رُوِي وما ظل بعيداً عن اليقين كيف يمكن لاسم واحد أن يتراكم فوقه كل هذا التأويل؟ وكيف تبقى سعاد حسني وحدها.. تحت الضوء؟
إن هذا التساؤل المفتوح يجد جوابه البصري في المعرض الذي بني كجسم واحد متصل بأقلام ورؤى تآلفت معاً للفنانين محمد أبو النجا، وأيمن يسري ديدبان، ونور هشام السيف، حيث لا تفترق فيه تجربة فنان عن الآخر إنما تتداخل كفصول رواية مأساوية وحالمة عن النجومية والوحدة، تتدفق الأعمال في الصالة بذكاء هندسي قادته القيّمة الفنية غيداء المقرن، محولةً دورها من مجرد تنسيق إلى «عمارة نفسية للمكان» تدير الحوار البصري بين أساليب ثلاثة فنانين متباينين لتجعل أعمالهم تذوب في سياق سردي واحد لا يشعر معه الزائر بأي انفصال فبينما يستقبلك وجه سعاد حسني وهو يولد من جديد من خلال طبقات شفافة ولوحات ثلاثية تجريدية تمتزج فيها تقنيات الطباعة والرسم بالتصوير والأقمشة المعالجة نجد ملامحها الشهيرة تارة ناصعة وتارة أخرى تتلاشى وتذوب خلف غشاء بيمائي كأنها تحاكي هشاشة الذاكرة والنسيان الجماعي لتسحبنا بسلاسة نحو الممرات الداخلية حيث المخطوطات والرسومات المؤطرة التي تمثل شظايا مبعثرة للسينما والتوثيق الحميم وفجأة يصطدم البصر بالمعالجة الجدارية العميقة المكسوة باللون البنفسجي المسرحي الطاغي وهو تجهيز فراغي مذهل يحاكي كواليس المسرح وطاولات التزيين والمكياج الخاصة بالنجمات، حيث تتربع مرآة دائرية ضخمة تلتف حولها المصابيح الكلاسيكية الساطعة لتعكس عملاً فنياً دائرياً يحمل ملامح القلق والانفصال، ويحيط بها لوحتان دائريتان إضافيتان تجسدان حالات التحول النفسي والإنكار الداخلي لعامل الزمن، ومن تحتها تتدلى منصة مكسوة بكشكشة الفساتين الوردية والبيضاء التي تحمل قبعات الاحتفال الكرتونية الصغيرة. أليست هذه إشارة بصرية واضحة للطفولة البريئة والبهجة التي طالما صدرتها السندريلا للجمهور، بينما تخفي وراءها عزلة مريرة؟ ولكن، هل يكتفي هذا الجسد المترابط بالبصري فقط؟ إن المكان يتنفس بالصوت والحركة عبر فن الفيديو المحيطي، حيث يسافر المتلقي في هبوط بطيء ولا نهائي من أعلى برج إيفل، بينما يملأ الفضاء صوت موسيقى ليمنح الأعمال كلها وحدة عضوية واحدة تتواطأ فيها اللوحة والخطوط والضوء والتركيب لطرح تساؤل جوهري: ما هي البنية النفسية لفكرة الظهور؟ وما هي المسافة الشاسعة التي تفصل بريق النجم العام عن حقيقته الإنسانية الهشة والوحيدة في عزلته الفردية؟
يدفعنا هذا التساؤل إلى التوغل أكثر في دهاليز الفضاء المفتوح لـ«لفت غاليري»، حيث تتجلى قدرة القيم الفنية في تحويل المعرض من صالة عرض تقليدية إلى مسرح سايكولوجي ومتاهة عاطفية تجبر الضيوف من أصحاب السمو والمعالي والوزراء والدبلوماسيين، والذين تحركوا في الافتتاح كأطياف تبحث عن سر الغياب، على مواجهة تساؤلاتهم الذاتية حول مفهوم الشهرة؛ فكيف يستطيع المبدع أن يجمع كل هؤلاء الفنانين من مصر والسعودية في سياق نسيجي فريد دون أن يفقد العرض تجانسه البصري؟ إن الرؤية التقييمية لغيداء المقرن هنا تتجاوز التنسيق المكاني المعهود لتصبح هي المحرك الخفي لتيار الوعي السردي الذي يربط اللوحة الورقية المعلقة بضربات الفرشاة المتوترة بالتجهيز التركيبي الفراغي الذي ينبض باللون البنفسجي، يتساءل الزائر وهو يتأمل لوحات محمد أبو النجا الشفافة: هل نحن الذين ننظر إلى سعاد حسني، أم أن ملامحها المتلاشية عبر الأقمشة هي التي تحاكم نظرتنا الجمعية وتلصصنا الدائم على حياتها الخاصة؟ وكيف استطاعت عين القيمة الفنية أن توجد ذلك الممر الانسيابي الذي يقودنا من ضبابية تلك الوجوه وسلاستها البصرية، نحو العنفوان النفسي الحاد الذي يتفجر من الجدار المسرحي لنور هشام السيف بمرآته المضاءة التي تعكس بريق الاستعراض وخلفه قبعات الطفولة المتروكة في عزلة تامة على المنصة؟ إن هذا التضافر بين التقنيات والوسائط المتعددة لا يقدم للجمهور إجابات مريحة، إنه يلقي به في أتون السؤال الكبير: هل كانت السندريلا تبتهج بتلك الهتافات، أم كانت تلك المصابيح الدائرية الساطعة بمثابة قضبان زنزانة ذهبية تحاصر روحها الطفولية وتعزلها عن العالم؟
وفي اللحظة التي يبدو فيها أن التجهيز البصري قد وصل إلى ذروة بوحه، يتدخل فن الفيديو والوسائط الصوتية لأيمن يسري ديدبان كعنصر حاسم ليعمق المأساة ويعيد صياغة الفضاء الحركي للمكان، حيث يمتد الهبوط المتواصل والبطيء من برج إيفل كاستعارة بصرية لا نهائية للسقوط من قمة المجد نحو قاع السيكولوجيا المنكسرة. ويتواطأ في هذه المساحة صوت الموسيقي الشجي الذي يتهادى عبر ثنايا الغاليري مع النص النقدي المكتوب كاملاً على الجدران، ليشعر المتلقي بأن كل زاوية في المعرض وكل لوحة وكل شظية سينمائية ليست إلا صدى لصرخة صامتة تعبر عن ثقل الظهور المستمر تحت الضوء. وهنا يتجلى مجدداً النجاح الباهر والعمق الفلسفي الذي حققته القيمة الفنية إذ لم تكتفِ بتنظيم المعرض بل صاغت دورها كمهندسة للوعي والزمن من خلال ابتكار فكرة الإطفاء التدريجي للمعرض على مدار شهر كامل ينتهي في الثاني من يوليو حيث ستتلاشى مصادر الإضاءة تدريجياً تزامناً مع الذكرى الفعلية لرحيل الفنانة. هذا البناء الإجرائي والأدائي يضعنا أمام مفارقة مدهشة: هل نملك حقاً ذاكرة ثابتة عن النجوم أم أن الذاكرة هي بناء هش ومتغير تصوغه العاطفة والإسقاطات الجماعية التي تتبدل بمرور السنين؟ وهل ينجح فعل «الاختفاء» الختامي في تحرير طيف سعاد حسني من أسر الأضواء، أم أنه سيكرس غيابها كحضور أبدي لا يموت؟ إن المعرض بأسره يثبت أن حي «جاكس» بات يستقطب تجارب فنية تعتمد أعلى المعايير العالمية المعترف بها، مفسحاً المجال أمام لغة بصرية روائية متدفقة وسلسة تجذب القارئ والزائر دون انقطاع، وتتركه يغادر المكان وهو مثقل بأسئلة الشهرة العميقة، متسائلاً بفضول لا ينطفئ: ماذا يتبقى من النجم عندما تنطفئ الأضواء، ويبقى وحده في مواجهة العتمة والخلود؟
إن هذا التدفق الروائي يجرنا قسراً إلى تفكيك المسافة بين المشاهد والأثر، حيث تتحرك في فضاء الغاليري أجساد الزوار المعاصرين بمحاذاة أطياف الماضي، لتطرح تساؤلاً أكثر عمقاً حول ماهية النجم الثقافي في عصر السيولة الرقمية؛ فهل يعيد هذا المعرض تركيب الذاكرة كفعل مقاومة ضد النسيان أم أنه يعلن أن الصورة مهما بلغت من البريق تظل قاصرة عن حماية صاحبها من وطأة الفناء؟ النقد الفني هنا لا ينفصل عن الرؤية البصرية المتكاملة للمكان حيث تكشف الخطوط الموزعة في الصالة الفسيحة عن هندسة تواصل حية يتشابك فيها التاريخ الإنساني للفنانة مع جغرافيا «حي جاكس» الذي ينهض اليوم كمركز للأفكار الطليعية. الضوء الذي ينعكس من تلك اللوحات الثلاثية الممتدة على الجدار الأبيض لا يسلط أشعته على ملامح وجه سعاد حسني فحسب، بل يسلط الضوء على رغبتنا الدفينة كجمهور في استملاك النجم وإعادة صياغته وفقاً لأهوائنا وحنيننا الذاتي وكأن القيمة الفنية تقودنا خفية لنكتشف أننا لسنا مجرد متفرجين على مأساة السندريلا لكننا نحن شركاء في صناعة عزلتها الدائمة من خلال إصرارنا على إبقائها «وحدها تحت الضوء» حتى بعد ربع قرن من الغياب.
ومع تعمق الزائر في تفاصيل المخطوطات والرسومات المؤطرة الممتدة في الأروقة الهامشية يتبين أن كل خط صغير مرسوم على الورق هو محاولة لترميم شريط سينمائي متخيل أو ربما هو تعبير عن الرغبة في الهروب من سطوة النجومية الجماهيرية إلى طمأنينة الورق الصامت. فهل كانت الكتابة واللوحة الورقية بالنسبة للفنانين المشاركين وسيلة لتأريض تلك الطاقة المشعة التي خلفتها الراحلة، أم أنها كانت محاولة لمنحها فضاءً خاصاً وحميماً لم تكن تمتلكه وهي على قيد الحياة؟ الصوت المنبعث من الفيديو لا يتوقف، يستمر كموسيقى تصويرية تعيد صياغة حركة الحاضرين في صالة العرض فيبدو الحضور في خطواتهم البطيئة والمتأملة وكأنهم يتحركون ضمن فيلم سينمائي معاصر أخرجته الصدفة الفنية والوعي التقييمي العالي لمقاصد العرض. إن هذا الانسجام المطلق يدفعنا للتساؤل عن الحدود الفاصلة بين الواقع والتمثيل، وعما إذا كان المعرض قد نجح في تحويل تجربة النجم إلى مرآة جماعية نرى فيها هشاشتنا الإنسانية ومخاوفنا من العزلة والنسيان، لتصبح الذكرى الخامسة والعشرون لرحيل سعاد حسني منصة لانطلاق أسئلة جديدة وحية حول دور الفن في صون الأثر الإنساني وإعادة تعريفه وسط مجتمعات مفعمة بالتحول والحداثة.
وعند التطلع نحو الأمسية الختامية التي ستشهد الحدث الأدائي الأبرز المتمثل في الإطفاء التدريجي للفضاء البصري، نجد أنفسنا نترقب لحظة فريدة في تاريخ المعارض المعاصرة بالمنطقة، حيث لا يعود الفن مجرد لوحات تُعلق وتُرفع ، ليتحول إلى تجربة زمنية تشارك الطبيعة والفيزياء في صياغة نهايتها المأساوية والحالمة، فمع انطفاء آخر مصباح، وتلاشي آخر خيط ضوء ينعكس على الجدار البنفسجي الكلاسيكي، هل سنشعر بالراحة لأن النجمة قد تحررت أخيراً من عبء الرؤية ، أم سيتملكنا خوف غامض من أن النسيان قد التهم آخر شظايا الأسطورة؟ إن هذه الحيرة المفتوحة هي المنجز الحقيقي والنجاح الأكبر الذي يقدمه معرض «وحدها تحت الضوء» لجمهوره وثقافته، مؤكداً أن الفن المعاصر في الرياض، لم يعد يكتفي بالترف البصري لكنه بات يطرح أعمق التساؤلات الوجودية والسيكولوجية التي تلامس الوجدان العربي المشترك، وتترك الأبواب مشرعة أمام فضاءات لا تنتهي من التأويل والدهشة المستمرة التي تجعل من القارئ والزائر مسافراً أبدياً في عوالم الضوء والعتمة والخلود.
** **
X): AL_KHAFAJII)