وائل العتيبي - «الجزيرة» - جدة:
لم تعد جدة التاريخية مجرد حي تراثي يحتفظ بملامح الماضي، بل أصبحت واحدة من أضخم المشاريع الثقافية والعمرانية في المملكة العربية السعودية، ومختبرًا حيًا لإعادة تعريف العلاقة بين التراث والتنمية والاقتصاد الإبداعي. ففي قلب «البلد»، حيث تتجاور الرواشين الخشبية مع الحجر المرجاني، تتشكل اليوم تجربة سعودية جديدة تنقل التراث من حالة الحفظ الجامد إلى فضاء حيّ قادر على إنتاج الثقافة والسياحة والاستثمار والمعرفة.
ويكشف التقرير السنوي لوزارة الثقافة لعام 2025 عن حجم التحول الذي تشهده جدة التاريخية، ليس فقط بوصفها موقعًا مدرجًا ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، بل باعتبارها مشروعًا إستراتيجيًا يعيد صياغة هوية المدينة ويمنح التاريخ دورًا جديدًا في صناعة المستقبل.
تعود جذور جدة التاريخية إلى أكثر من 1300 عام، وهو ما تؤكده الاكتشافات الأثرية في مسجد الخليفة عثمان بن عفان -رضي الله عنه- حيث لعبت المنطقة عبر القرون دور البوابة البحرية لمكة المكرمة ومحطة رئيسية لاستقبال الحجاج والتجار القادمين من آسيا وأفريقيا والعالم الإسلامي. هذا الموقع الاستثنائي منح المدينة طابعًا ثقافيًا ومعماريًا متفردًا، تشكل عبر قرون من التبادل الحضاري والتجاري، لتصبح جدة واحدة من أكثر مدن البحر الأحمر تنوعًا في النسيج العمراني والإنساني.
وتضم المنطقة اليوم أكثر من 700 مبنى تاريخي، و16 مسجدًا، و5 أسواق تقليدية، جميعها تحمل خصائص معمارية فريدة تعتمد على الحجر المنقبي والرواشين الحجازية والزخارف الخشبية التي تحولت إلى جزء من الهوية البصرية للمدينة وذاكرتها الجمعية.
التحول الفعلي بدأ في عام 2018 مع صدور الأمر الملكي بإنشاء إدارة مشروع جدة التاريخية ضمن وزارة الثقافة، قبل أن يطلق ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مشروع «إعادة إحياء جدة التاريخية» عام 2021، بهدف إحداث نقلة نوعية في المنطقة وتحويلها إلى مركز ثقافي عالمي يجمع بين أصالة التاريخ واستدامة التنمية، ويتواءم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.
الرؤية التي يقودها المشروع لا تتعامل مع «البلد» باعتبارها منطقة أثرية تحتاج إلى الترميم فقط، بل باعتبارها حاضرة ثقافية متكاملة قابلة للحياة والاستثمار والإبداع. لذلك، اتجهت الجهود نحو إعادة بناء العلاقة بين التراث والاقتصاد، عبر تحويل العناصر العمرانية والثقافية إلى روافد تنموية قادرة على خلق فرص جديدة في السياحة والصناعات الإبداعية وريادة الأعمال الثقافية.
وتظهر هذه الرؤية بوضوح في حجم المشاريع الجاري تنفيذها داخل المنطقة، حيث تستمر أعمال استعادة الأصول التراثية والمعالم الثقافية حتى عام 2033، بالتوازي مع مشاريع تطوير البنية التحتية والساحات العامة، وإعادة تأهيل بحيرة الأربعين، وتحسين نظم المعلومات الجغرافية والمنصات الجيومكانية الخاصة بالمنطقة.
كما لم يقتصر المشروع على أعمال الترميم التقليدية، بل توسع نحو التوثيق العلمي والمعرفي للموقع، حيث جرى توثيق 30 مبنى تاريخيًا وفق منهجيات ومعايير عالمية، في خطوة تهدف إلى حماية القيمة العمرانية والمعرفية للمكان، وتعزيز استدامته بوصفه سجلًا حيًا لذاكرة المدينة.
وشهدت المنطقة كذلك تنفيذ أعمال تنقيب أثري في 7 مواقع مختلفة، أسفرت عن اكتشاف بقايا معمارية ومعثورات أثرية ذات قيمة تاريخية عالية، إلى جانب إعداد نماذج رقمية ثلاثية الأبعاد لـ22 قطعة أثرية، وإطلاق منصة جيومكانية موحدة تهدف إلى رفع دقة المعلومات وربط البيانات التاريخية والعمرانية وتسهيل إدارة الموقع.
وفي إطار تعزيز الوعي بالتراث المادي وغير المادي، استحدث المشروع نظامًا لتسمية 310 عناصر تراثية داخل المنطقة، في خطوة تسعى إلى إعادة تقديم ذاكرة المكان للأجيال الجديدة، ليس بوصفها سردية تاريخية فقط، بل باعتبارها جزءًا من الهوية الثقافية اليومية.
أما على مستوى الترميم، فقد اتخذ المشروع مسارًا يحافظ على أصالة المباني التاريخية دون التضحية بمفاهيم الاستدامة الحديثة. إذ تمت إعادة استخدام أكثر من 2600 متر مربع من الحجر المرجاني التقليدي، وأكثر من 20 ألف متر طولي من الأخشاب، مع المحافظة على أكثر من 950 عنصرًا خشبيًا أصيلًا داخل المباني التاريخية، في محاولة للحفاظ على الروح العمرانية للمنطقة ومنع فقدان هويتها البصرية تحت ضغط التحديث.
ومن أبرز نماذج الترميم التي شهدتها المنطقة «بيت نورولي»، الذي يعد واحدًا من أبرز البيوت التاريخية في جدة، ويتميز بغناه بالعناصر الفنية والزخارف والرواشين الخشبية التي تعكس العمق الجمالي للعمارة الحجازية التقليدية.
لكن التحول الأبرز في جدة التاريخية لا يرتبط فقط بإعادة تأهيل المباني، بل بإعادة تفعيل المكان ثقافيًا وتحويله إلى مساحة يومية للحياة والفنون والأنشطة المجتمعية. ففي عام 2025 تحولت المنطقة إلى منصة ضخمة للفعاليات الثقافية والفنية، مستضيفة موسم رمضان، ومهرجان البحر الأحمر السينمائي، ومشروع «بلد الفن»، إلى جانب معارض دولية وفعاليات موسيقية وعروض أدائية متنوعة.
وتشير الأرقام الواردة في التقرير إلى أن جدة التاريخية استقبلت أكثر من 12.5 مليون زيارة خلال عام واحد، ما يعكس التحول الكبير الذي شهدته المنطقة من موقع تراثي محدود الحركة إلى واحدة من أكثر الوجهات الثقافية استقطابًا في المملكة.
كما سجل موسم رمضان وحده أكثر من 3.2 مليون زائر، بمشاركة 140 كشك طعام و16 مقهى ومطعمًا و26 مبادرة مجتمعية، في مشهد يعكس تحول «البلد» إلى فضاء اجتماعي وثقافي مفتوح يعيد دمج المجتمع بالمكان.
أما فعالية «بلد الفن»، فقد تحولت إلى أحد أبرز النماذج التي تكشف كيف يمكن للتراث أن يصبح منصة للإنتاج الإبداعي المعاصر، حيث شارك فيها أكثر من 560 فنانًا ومبدعًا بالتعاون مع 98 جهة و6 شركاء، واشتملت على معارض فنية وعروض مسرحية وسينمائية وورش للحرف اليدوية وبرامج ثقافية متعددة، واستقطبت أكثر من 230 ألف زائر.
وامتد الحراك الثقافي إلى البعد الدولي، عبر استضافة معارض وفعاليات بالتعاون مع جهات عالمية، من بينها القنصلية اليابانية التي نظمت معرضًا يحتفي بالفنان الياباني كاتسوشيكا هوكوساي وتأثيره العميق على فن المانجا، إلى جانب استضافات أكاديمية وثقافية عززت حضور جدة التاريخية كمنصة للتبادل الثقافي العالمي.
اقتصاديًا، يبدو المشروع اليوم نموذجًا واضحًا لفكرة «الثقافة كرافد اقتصادي»، إذ لا يقتصر هدفه على رفع أعداد الزوار، بل يتجه نحو بناء منظومة استثمارية متكاملة تشمل تطوير نماذج إدارة الأصول، وجذب الاستثمارات، وتمكين الحرف التقليدية، وتحويل المنطقة إلى بيئة جاذبة للمشاريع الثقافية والإبداعية.
كما يكشف المشروع عن تحول عميق في طريقة تعامل المؤسسات الثقافية مع المجتمع، عبر تعزيز المشاركة المجتمعية وتنفيذ ورش وبرامج للحرف اليدوية، وإشراك السكان والزوار في التجربة الثقافية اليومية، في محاولة لتحويل الثقافة من نشاط موسمي إلى ممارسة حياتية مستمرة.
ورغم ضخامة الإنجازات، فإن حجم المشروع وتعقيداته العمرانية والتاريخية يفرضان تحديات طويلة المدى، وهو ما يفسر استمرار عدد من المشاريع حتى عام 2030 وما بعده. إلا أن المؤشرات الحالية تؤكد أن جدة التاريخية تجاوزت مرحلة الإنقاذ والترميم، وانتقلت فعليًا إلى مرحلة إعادة إنتاج المدينة ثقافيًا واقتصاديًا. ما يحدث اليوم في «البلد» ليس مجرد إعادة تأهيل حي قديم، بل إعادة كتابة لدور المدينة التاريخية في الوعي السعودي المعاصر؛ حيث يتحول التراث من ذاكرة ساكنة إلى قوة ناعمة، ومن مبانٍ تاريخية إلى صناعة ثقافية واقتصادية متكاملة، قادرة على إنتاج الجذب والسياحة والمعرفة والهوية في آن واحد.