د. غالب محمد طه
ربما نحن جميعًا -أنت وأنا ومعظم الناس- ممن يمرون سريعًا على الفيديوهات المنتشرة على المنصات المختلفة، نتصفحها بأعين سارحة وذهن شارد، لا نتوقف كثيرًا؛ لأننا تعلمنا أن الأيام تصنع عشرات «المشاهد المؤثرة» ولا يبقى منها سوى القليل؛ لكن ذاك الفيديو الذي انتشر قبل أيام كان مختلفًا؛ ليس لأنه درامي، ولا لأنه يبكي، ولا لأنه يظهر دموعًا أو عناقًا حارًا؛ بالعكس، الفيديو عادي في شكله: سرير أبيض، رجل مسنّ على وجهه أثر تعب، وابن يتصل، ووزير يردّ؛ لكن قوة المشهد كانت في ذلك الهدوء نفسه، في العفوية التي لم تخطط لها الكاميرات، في الصوت الذي قال: «معك وزير الصحة»، كما يقول الجار لجاره: «أنا موجود».
تخيل مشهدًا عاديًا جدًا: حاجٌّ كبير في السن، منهك الجسد، يرقد في أحد مستشفيات المشاعر المقدسة؛ ابنه، البعيد عنه في دولة أخرى، يلتقط الهاتف ليرد على اتصال، فيفاجأ بأن المتصل يستخبره عن والده؛ في العادة، في أي مكان في العالم، حين يرى المرء والده على سرير أبيض وحوله مجموعة من الأطباء، يُصاب بالقلق والخوف؛ لكنه هذه المرة سمع صوتًا مختلفًا: هادئًا، واثقًا، لا عجلة فيه ولا تكلّف؛ قال له صاحب الصوت: «أنا وزير الصحة.. والدك بخير.. لا تقلق»؛ ربما صُعق الابن للحظة، ليس لأنه لم يتوقّع وزيرًا، بل لأنه لم يتوقّع أن يردَّ عليه الوزير بهذه البساطة.
وفي تفصيلة أخرى، كان الحاج نفسه يتعجب وهو يحاول الجلوس، ليفاجأ بالرد: «لا تتعب نفسك، نحن هنا لخدمتك»؛ ثم يسأله بمحبة: «شو اسم الملك؟»؛ تأمل هذا السؤال جيدًا؛ إنه ليس سؤال رجل يجهل الإجابة، بل سؤال يريد أن يذكر الجميع بشيء ثابت: العلم، البيت، الأب، الملك.. أي شيء يقول له: «لست وحدك»؛ وجاء الجواب، بلا تردد، من ذلك الصوت الهادئ نفسه: «خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- ويقول لنا دائمًا: نخدم ضيوف الرحمن»؛ لم يكن هذا الجواب مجرد معلومات، ولم يكن درسًا في البروتوكول، بل كان رسالة غير مباشرة، وواحدة من أبلغ الرسائل: أن هذا الرجل المريض على سريره الأبيض هو سبب وجود الوزير في هذا المكان، وليس العكس.
هذا الفيديو لم ينتشر لأنه يظهر وزيرًا في موقع العمل؛ لقد انتشر لأنه كشف شيئًا أعمق؛ لقد قال بصوت عالٍ، لكن دون شعارات، إن هذه الدولة، التي قد تبدو للبعض مباني ضخمة ومشروعات عملاقة وأرقامًا اقتصادية، هي في جوهرها رجال يعرفون أسماء الحجاج المرضى، ويطمئنون أبناءهم في منتصف الليل؛ المشهد بدا عفويًا تمامًا: ابن مذهول، حاج يبتسم رغم ألمه، ووزير يقف كما لو كان واحدًا من الممرضين؛ تلك العفوية وحدها هي التي صنعت الأثر؛ فالناس لا تبكي على البيانات الرسمية، ولا تعلق قلوبها بالتقارير الإحصائية، لكنها تتذكر دائمًا كيف شعرت في لحظة خوف: هل تُركت وحدها؟ هل ردَّ عليها أحد؟ هل قال لها أحد: «لا تقلق» وهو يعنيها حقًا؟
ولكي نكون منصفين، لا يمكن أن نختزل القصة في «وزير طيب» فقط؛ فهذا الوزير لم يكن ليصل إلى تلك الغرفة، ولم يكن ليعرف مكان ذلك الحاج، لو لم تكن خلفه منظومة تعمل بصمت ودقة؛ منظومة تعرف من أين دخل كل حاج، وأين نزل، ومتى مرض، وإلى أي مستشفى نُقل، ومن المسؤول عن حالته في كل لحظة؛ لكن الفرق بين منظومة جيدة ومنظومة عظيمة، هو أن الأخيرة لا تنتج آلات، بل تنتج بشرًا؛ تنتج مسؤولين يدركون أن التفاصيل الصغيرة -نبرة صوت دافئة، وطمأنينة في وقت وجل- هي التي تصنع الفارق الحقيقي؛ تلك التفاصيل التي لا تظهر في الموازنات، ولا في المؤتمرات الصحفية، لكنها تظهر فجأة في فيديو بسيط ينتشر بين الناس.
وفي مكة.. لا يعود الإنسان كما جاء؛ هنا تتخفف الأرواح من أثقالها، وتصبح التفاصيل الصغيرة -يدٌ تُطمئن، كلمةٌ تُهدّئ، نظرةٌ تعيد الطمأنينة- أكبر من كل الشعارات؛ في هذا الوادي المبارك، تتساوى القلوب مهما اختلفت البلدان، ويصبح الضعف لغة مشتركة، والرحمة قانونًا غير مكتوب.
ولعل ما جعل ذلك المشهد مؤثرًا ليس وجود وزير قرب حاج مريض، بل وجود إنسان قرب إنسان في مكان لا يسمح إلا بالصدق؛ فمكة تُعيد ترتيب الداخل، وتذكّر كل من يمر بها -حاجًا أو طبيبًا أو مسؤولًا- أن خدمة الضعيف عبادة، وأن الطمأنينة صدقة، وأن الكلمة الطيبة قد تكون أبلغ من كل ما يُقال.