بعد أن منَّ الله على حجاج بيته الحرام بأداء نسكهم والعودة لأوطانهم، تعود بنا الذاكرة لسنوات قلائل مضت نتذكر فيها أرقاما دونت وخدمات قدمت ونعمل على مقارنتها بما رأيناه في موسم حج هذا العام، من مبادرات قدمت، ومشاريع نفذت وأعمال تطورت لراحة وطمأنينة ضيوف الرحمن.
وقبل البدء في المقارنة بين ما كان قبل عقد مضى وتحديدا عام 2016، وبين ما أصبح نتوقف أولا أمام ظاهرة كانت تؤرق الكثير من القطاعات لما تسببه من أضرار وتحدثه من تأثيرات على صحة البيئة، إذ كان بعض المقيمين بمناطق ومدن المملكة يصلون إلى مكة المكرمة قبل موسم الحج يلجؤون لافتراش ساحات المسجد الحرام، كما كانوا يعمدون مع بعض المقيمين بمكة المكرمة لافتراش الأرصفة وطريق المشاة في مشعر منى، ويؤدي لحدوث حالات تداخل بين المشاة والمركبات فالمشاة يلجؤون للسير بطرق المركبات لعدم توفر مساحة تمكنهم من السير على الرصيف، إضافة للتأثير على صحة البيئة نتيجة للمخلفات التي يتركونها بعد تناولهم لأطعمتهم.
كما برز في تأثيرهم السلبي في برامج تفويج الحجاج لمنشأة الجمرات، فإضافة لإعاقتهم لحركة المشاة، نرى عدم التزامهم بالرجم في الوقت المحددة لعدم وجود برنامج تفويج لهم
وإن كانت تلك أضرارهم على الحجاج النظاميين، فإنهم يتعرضون لأضرار شخصية تتمثل في الإجهاد الحراري وضربات الشمس خاصة في مشعر عرفات لعدم وجود مخيمات تقيهم أشعة الشمس وحرارة الجو، وتعرضهم للأمراض والأوبئة الناتجة من مخلفاتهم.
ولا تنحصر مخالفة المفترشين للأنظمة بل تشمل أيضا المخالفات الشرعية والتي أجمع عليها أصحاب الفضيلة العلماء في أن الافتراش يعني «إلحاق الضرر بالآخرين»، ومخالفة صريحة لــ»ولي الأمر الذي يدعو للالتزام بأنظمة وتعليمات الحج (ومنها عدم الافتراش) والواجب شرعاً طاعة لولي الأمر في المعروف لتحقيق المصلحة العامة»، كما أنه ـ أي الافتراش ـ يسيء لجهود المملكة المقدمة لخدمة ضيوف الرحمن ويعيق إيصال الخدمات، وتوفير سبل الراحة والطمأنينة لهم.
ورغم أن حملة «لا حج بلا تصريح» أطلقت كمبادرة؛ اطلقت منذ أكثر من عشر سنوات وبثمان لغات بهدف تطبيق تنظيم إداري يضمن سلامة ضيوف الرحمن، ويتيح فرصة أداء الفريضة بطمأنينة من خلال تقنين أعداد الحجاج، والقضاء على الظواهر السلبية كالافتراش، إلا ظاهرة الافتراش استمرت وإن انخفضت نسبيا.
وللوصول إلى حلول عملية جاءت حملة منع دخول مكة المكرمة إلا بتصريح للمقيمين بمناطق ومدن المملكة، إضافة لحملة «لا حج إلا بتصريح» عام 2025 والتي طبقتها وزارة الداخلية بشكل صارم وإجراءات مشددة تضمنت منع دخول مكة المكرمة خلال موسم الحج لغير الحاصلين على تصاريح رسمية من المقيمين، واستثنت حاملي تصاريح الحج، أو المقيمين الذين يمتلكون هوية مقيم صادرة من العاصمة المقدسة، أو حاملي تصاريح العمل الصادرة من الجهات، وتضمنت الإجراءات منع حاملي تأشيرات الزيارة بكافة أنواعها من دخول مكة المكرمة أو البقاء بها، وفرضت عقوبات تمثلت في غرامات مالية صارمة تصل إلى (100,000) ريال بحق المخالفين أو من يقوم بإيواء وتستر على حاملي تأشيرات الزيارة.
وبهذه الخطوة تم القضاء على عدد من الظواهر السلبية منها:
- افتراش ساحات المسجد الحرام، والشوارع والطرقات في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة.
- القضاء على الباعة المتجولين خاصة بائعي المأكولات.
- تمكين القطاعات الحكومية والخدمية من إيصال خدماتهم للحجاج النظاميين بشكل جيد.
ومن ظاهرة الافتراش والقضاء عليها خلال موسم حج 2026، نقف أمام حافلات نقل الحجاج التي كانت في عام 2016 تضم نحو 20 شركة، وارتفعت إلى نحو 80 شركة نقل في موسم حج 2026، عملت على نقل الحجاج بين مدن الحج (جـدة، مكة المكرمة، المدينة المنورة) إضافة للمشاعر المقدسة (عرفات، مزدلفة، منى)، كما ساهمت حافلات هذه الشركات في نقل الحجاج من مقار سكنهم إلى المسجد الحرام لأداء الصلوات عبر ما يعرف ببرنامج الصلوات، كما عملت على نقل الحجاج للمواقع التاريخية والإثرائية بمكة المكرمة.
وبرزت جهود وزارة الصحة خلال موسم الحج فسجلت في عام 2016 استقبال منشآتها الصحية أكثر من 10,494 مراجعاً في يوم واحد فقط، فيما استقبلت أكثر من 225 ألف حاج خلال الفترة من 1 إلى 5 ذي الحجة.
وفي موسم حج عام 2026 وفرت أكثر من 20 ألف سرير، وشغّلت 25 مركزاً للرعاية العاجلة، إضافة لإطلاق خدمات إجراء جراحات متطورة (روبوتية وقلب مفتوح)، وتوظيف طائرات (الدرون) لتوصيل الأدوية والمستلزمات الطبية، واستخدام الساعات الذكية لمتابعة المؤشرات الحيوية للحجاج عن بُعد، مع توسيع نطاق تقديم الاستشارات عبر مستشفى صحة الافتراضي.
ومع توفير وسائل النقل، والخدمات الصحية، تم العمل على تنفيذ برامج خاصة لخدمات الإعاشة، باعتماد شركات متخصصة تعمل على تقديم وجبات ساخنة (معبأة حرارياً)، ووجبات جافة سريعة، وبوفيهات مفتوحة داخل المخيمات ومقار سكن الحجاج.
وجاء ( برنامج خدمة ضيوف الرحمن ) الذي دشنه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود - حفظه الله - يوم الأربعاء 24 من شهر رمضان المبارك لعام 1440هــ، تحت شعار «من الفكرة إلى الذكرى»، ليعمل على تطوير الخدمات المقدمة لضيوف الرحمن، فكانت أولى برامجه عام 2022م، متمثلة في برنامج حجاج الـB2C، المعروف حاليا ببرنامج الحج المباشر لحجاج أوروبا وأمريكا وأستراليا، ويقدم خدماته المتكاملة عبر بوابة الكترونية تضم خيارات متنوعة، من الباقات وخدمات الدعم ومركز للتواصل بلغات متعددة على مدار الساعة، ويمنح الراغب في أداء فريضة الحج الفرصة لاختيار باقة الخدمات التي يرغبها.
وجذب البرنامج وسائل الاعلام الغربية فتحدثت عنه قناة france24 العربية قائلة: إن تخصيص بوابة الكترونية وحيدة تسمح للمسلمين الذين يعيشون في الدول الغربية بتسجيل أنفسهم مباشرة من أجل الحصول على تأشيرة الدخول إلى المملكة، ساعد في تسهيل إجراءات الدخول، وبينت أنه كان يشترط في السابق على أي مسلم يرغب في أداء فريضة الحج أن يمر عبر وكالة سياحية أو دينية ويسجل نفسه فيها، على أن تتكلف هذه الوكالة بالقيام بجميع الإجراءات الإدارية، كإصدار تأشيرة الدخول وشراء تذاكر السفر وحجز الفنادق في مكة والمدينة، فضلا عن تدابير أخرى مرتبطة بالحج.
وأشارت إلى أن عمليات التحايل التي تعرض إليها العديد من الحجاج في السنوات الماضية من قبل وكالات الأسفار جعلت الرياض تفكر في صيغة أخرى لأداء الحج. وهو السبب الأول الذي جعلها تدشن هذه البوابة الالكترونية للحيلولة دون تكرار المشاكل التي عانى منها الحجاج في السابق.
ولم تكن الآلية الجديدة لحجاج أوروبا وأمريكا وأستراليا والتي جاءت متوافقة مع رؤية المملكة 2030، هي الوحيدة التي تناولت تسهيل إجراءات قدوم الحجاج، فقد
كما جاءت مبادرة «طريق مكة» التي برزت عام 2017 كإحدى مبادرات وزارة الداخلية المنفذة ضمن برنامج خدمة ضيوف الرحمن، أحد برامج رؤية المملكة 2030، فنفذت في عام 2017 على مجموعة من حجاج ماليزيا، ليأتي عام 2018 وتنفذ على كامل حجاج ماليزيا وإندونيسيا، ثم أخذت في التوسع عاما تلو آخر، حتى شملت خدماتها حجاج عشر دول هي إندونيسيا، ماليزيا، باكستان، بنغلاديش، المغرب، تركيا، كوت ديفوار، السنغال، المالديف، وبروناي دار السلام، بسبعة عشر منفذاً دولياً.
وبلغ عدد الحجاج المستفيدين من المبادرة في موسم حج 2026 م (388,694) حاجاً وحاجة، وتجاوز إجمالي المستفيدين من المبادرة منذ إطلاقها أكثر من 1.3 مليون حاج.
ولم تقف المبادرات الخاصة بضيوف الرحمن في مبادرة طريق مكة، فقد شهد موسم حج 2026 بروز مبادرة «حج بلا حقيبة» وهي واحدة من أبرز الخدمات اللوجستية التي أطلقتها وزارة الحج والعمرة، وتتضمن تمكين الحجاج من شحن أمتعتهم من بلدانهم واستلامها في مقار إقامتهم بمكة المكرمة أو المدينة المنورة، مما يتيح لهم السفر فقط بحقيبة يد وتجنب مشقة حمل الأمتعة.
ومن أبرز المبادرات المجتمعية تأتي مبادرة «الحج الأخضر» وهي برنامج بيئي ومجتمعي يهدف إلى تحويل رحلة الحج والعمرة إلى ممارسة مستدامة، من خلال تقليل الهدر، استخدام الطاقة النظيفة، وتوعية ضيوف الرحمن بأهمية الحفاظ على بيئة المشاعر المقدسة نظيفة وصحية.
ولم تكن شركات ضيافة الحجاج بعيدة عن مواكبة التطورات المتسارعة في خدمات ضيوف الرحمن، فعملت على تطوير خدمات الاستقبال ليتحول من استقبال ينحصر في استلام الجوازات ونقل العفش، إلى استقبال بالورود وماء زمزم والدعاء، كم طورت عملية الإسكان بمكة المكرمة، وادخل تكييف المخيمات لجميع الحجاج في المشاعر المقدسة، وساهم النقل الترددي في المشاعر المقدسة في سرعة وسلامة وصول الحجاج لمخيماتهم.
وتم توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في خدمة الحجاج عبر مجموعة من التطبيقات العملية التي أسهمت في رفع كفاءة التشغيل وتحسين جودة الخدمات. فقد استُخدمت هذه التقنيات في حصر أعداد الحجاج داخل المخيمات بدقة عالية من خلال أنظمة الرؤية الحاسوبية، مما يدعم إدارة الحشود واتخاذ القرار بكفاءة.
كما جرى تطبيق حلول ذكاء اصطناعي في مراقبة الاشتراطات الصحية والبيئية في مواقع تجهيز الطعام والمطابخ، بما يعزز مستويات سلامة الغذاء ونظافته. وفي جانب النظافة العامة، تم استخدام أنظمة ذكية لرصد نظافة المخيمات واكتشاف النفايات أو أي ممارسات غير صحية بشكل آلي وفي الوقت الفعلي.
وفي إطار تحسين جودة خدمات الإعاشة، تم توظيف أنظمة تعتمد على إنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي لقياس أوزان وجبات الطعام والتأكد من درجة حرارتها قبل التوزيع، إضافة إلى حصر أعداد الوجبات الموزعة وتوثيق أوقات التوزيع بدقة، بما يضمن وصول الوجبات في الأوقات المحددة دون تأخير، مع التأكد من دقة الوزن ومطابقة المحتوى للمعايير المعتمدة.
واستخدمت الروبوتات الذكية في جمع البيانات من الحجاج وتنفيذ الاستبيانات عبر التفاعل بلغات متعددة تتناسب مع تنوع جنسياتهم، مما يسهم في تحسين دقة البيانات وسهولة جمعها. وفي الجانب الأمني، استُخدمت تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراقبة تواجد أفراد الحراسات الأمنية عند بوابات المخيمات ومساكن الحجاج، مع إصدار تنبيهات فورية في حال غيابهم، بما يعزز مستوى الأمن والانضباط.
وفي مرافق الخدمات، ولا سيما دورات المياه، تم تطبيق أنظمة ذكية للتحقق من تواجد عمال النظافة ومتابعة أدائهم الفعلي لعمليات التنظيف وفق الجداول المحددة، كما تشمل هذه الأنظمة مراقبة كثافة الحشود عند دورات المياه ومناطق تقديم الطعام (البوفيهات)، وتحليل مستويات الازدحام بشكل لحظي، بما يتيح التدخل السريع وتنظيم الحركة وتقليل التكدس.
إضافةً إلى ذلك تم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في التحقق من هوية الحجاج داخل المخيمات والتأكد من انتمائهم للمخيم الصحيح، وذلك من خلال تقنية التعرف على الوجه أو عبر بطاقات «نسك»، مما يسهم في رفع مستوى التنظيم والأمن. كما تم توظيف الروبوتات الخدمية في تحضير وتقديم المشروبات، مثل القهوة والشاي والمشروبات الباردة، وتوزيعها على الحجاج بكفاءة عالية.
وتأتي تقنية الواقع الافتراضي كإضافة نوعية حديثة، حيث تُمكّن الحاج من الانتقال إلى بيئة افتراضية تفاعلية للتعرّف على المواقع المقدسة، مثل جبل الرحمة والروضة الشريفة ومنشأة الجمرات، إضافة إلى جولات في المشاعر المقدسة والمواقع التاريخية في المملكة، مثل منطقة العلا.
واستخدمت تقنيات متقدمة لتحديد مواقع الحجاج بشكل دقيق، بهدف منع حالات الضياع وتعزيز السلامة، حيث تُخصّص هذه الخدمة بشكل أساسي لكبار السن ومرضى الزهايمر، بما يضمن سرعة الوصول إليهم وتقديم المساعدة اللازمة في الوقت المناسب.
وفي الجانب اللوجستي، تم تطبيق نظام ذكي يتيح حصر أعداد العمالة داخل المخيمات وتحديد أماكن تواجدهم بشكل لحظي، مما يسهم في تحسين عمليات الإشراف والمتابعة ورفع كفاءة إدارة الموارد البشرية، وضمان توزيع العمالة بشكل فعّال وفق الاحتياج التشغيلي.
** **
- أحمد صالح حلبي
ahmad.s.a@hotmail.com
@ashalabi1380