محمد بن عبدالله العتيق
منذ تأسيسه، لم يكن الهلال مجرد نادٍ يبحث عن بطولة عابرة أو إنجاز مؤقت، بل كان مشروعاً رياضياً متكاملاً بُني على إرث عظيم وقواعد راسخة وثقافة انتصار صنعت منه أحد أكبر الأندية في آسيا والعالم العربي. هذا النجاح لم يأتِ من فراغ، وإنما كان نتيجة عوامل متعددة اجتمعت في وقت واحد؛ إدارة تعمل، وجماهير تساند، وأعضاء شرف يعشقون الكيان، ولاعبون يمتلكون الجودة والطموح، لتتشكل منظومة متكاملة صنعت فريقاً اعتاد الوقوف على منصات التتويج.
الهلال وصل إلى مكانة عالمية مرموقة، وأصبح اسمه حاضراً في أكبر المحافل الرياضية، وما قدمه في مشاركاته العالمية الأخيرة يؤكد أن هذا النادي يمتلك القدرة على منافسة كبار أندية العالم متى ما توافرت له الأدوات المناسبة. ورغم الظروف التي صاحبت الفريق، ورغم بعض النواقص الفنية، فإن اللاعبين قدموا مستويات مميزة عكست شخصية الهلال المعروفة وروح المنافسة التي تميز هذا الكيان.
ومع كل هذا التاريخ المشرق، تبقى هناك تساؤلات مشروعة يطرحها الجمهور الهلالي حول الملفات الفنية، وتحديداً ما يتعلق بالتعاقدات الأجنبية واختيار اللاعبين والمدربين. فمن غير المنطقي أن يظل الهلال، وهو صاحب الإمكانات المالية الكبيرة والجماهيرية الضخمة، يعاني في مراكز واضحة تحتاج إلى تدعيم منذ أكثر من موسم، بينما تنجح أندية أخرى في سد احتياجاتها الفنية بصورة أسرع وأكثر دقة.
المتابع للمشهد الهلالي يلاحظ أن ملف اللاعبين الأجانب تحديداً يحتاج إلى مراجعة شاملة. فمنذ تطبيق نظام اللاعبين الأجانب، ظل الهلال في كثير من المواسم عاجزاً عن الاستفادة الكاملة من جميع مقاعده الأجنبية بالشكل الذي يوازي حجم النادي وطموحاته. والسؤال الذي يطرحه الجمهور باستمرار: من يختار هذه الأسماء؟ وما المعايير الفنية التي يتم الاعتماد عليها؟ فالنتائج على أرض الواقع تشير إلى أن عدداً من هذه الاختيارات لم يحقق الإضافة المنتظرة، الأمر الذي انعكس على الفريق في مراكز حساسة كان يمكن معالجتها منذ وقت مبكر.
المشكلة ليست في القدرة المالية، فالهلال يمتلك من المقومات الاقتصادية والاستثمارية ما يجعله قادراً على استقطاب أفضل العناصر. كما أن جماهيريته الواسعة وقيمته التسويقية الكبيرة تمنحه أفضلية لا تتوافر لكثير من الأندية. لكن النجاح في كرة القدم الحديثة لا يعتمد على المال وحده، وإنما على جودة القرار الرياضي ودقة الاختيار وسرعة التحرك ووجود بدائل متعددة عند التفاوض مع اللاعبين.
ما يحتاجه الهلال اليوم هو عمل مؤسسي احترافي يعتمد على رؤية فنية واضحة، تحدد احتياجات الفريق بدقة، وتضع البدائل المناسبة لكل مركز، وتبني القرارات على أسس فنية لا على الاجتهادات الفردية أو العواطف. فالأندية المنافسة لم تعد كما كانت في السابق، وأصبحت تدار بعقلية الشركات والمؤسسات، وتعمل وفق خطط طويلة المدى تهدف إلى صناعة التفوق والاستمرار فيه.
الجمهور الهلالي لا يطلب المستحيل، وإنما يريد أن يرى فريقه يحصل على ما يستحقه من اهتمام وعمل احترافي يتناسب مع مكانته وتاريخه. فالهلال في أصعب مواسمه ظل منافساً على الصدارة حتى الجولات الأخيرة، ولو توافرت بعض العناصر الفنية المؤثرة لربما اختلفت النتيجة تماماً.
إن الاتكاء على أمجاد الماضي وحدها لم يعد كافياً في عالم كرة القدم الحديثة. البطولات السابقة مصدر فخر واعتزاز، لكنها لا تضمن بطولات المستقبل. المنافسون يعملون ويتطورون ويستفيدون من الدعم الكبير الذي تعيشه الرياضة السعودية، ومن يريد البقاء في القمة عليه أن يطور أدواته باستمرار وأن يواكب المتغيرات المتسارعة.
تبقى رسالة الجمهور الهلالي واضحة للمسؤولين عن النادي: الهلال أمانة في أعناقكم، وهذا الكيان الكبير يستحق أفضل الكفاءات وأفضل القرارات وأفضل العناصر الفنية. فحين توضع الأمور في أيدي أهل الخبرة والكفاءة، وحين يُبنى العمل على الاحترافية والتخطيط السليم، فإن الهلال سيبقى كما عرفه الجميع دائماً؛ زعيماً في الميدان، ومنافساً على كل بطولة، وحاضراً في مقدمة المشهد الرياضي محلياً وقارياً وعالمياً.