سلمان بن محمد العُمري
النميمة هي تلك النار المتوقدة في الهشيم، والسم الزعاف الذي يسري في جسد المجتمع فيقطع أوصاله ويبدد شمله، وهي من أبشع الصفات التي يتصف بها اللؤماء وأعوان الشيطان الذين اتخذوا من الإفساد بين الناس منهجاً، ومن هتك الأستار غاية، فهي رذيلة لا تجلب إلا الويلات، ولا تخلف وراءها إلا الشتات، وقد جاء التحذير الإلهي منها صريحا جلياً في قوله تعالى: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ}، فوصف الناقل للكلام بالمهانة والحقارة، ولعظم جرمها في ميزان الشريعة، أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم عن مآل صاحبها بوعيد يخلع القلوب فقال: «لا يدخل الجنة نمام»، وفي ذلك إشارة واضحة إلى أن هذا السلوك ليس مجرد زلة لسان، بل هو كبيرة من الكبائر تفسد على المرء آخرته كما أفسد على الناس دنياهم.
ولعل من أدق ما وصفت به النميمة ما ذكره ابن حبان -رحمه الله- في «روضة العقلاء» حين بين أنها تهتك الأستار وتفشي الأسرار وتورث الضغائن وترفع المودة وتجدد العداوة وتبدد الجماعة وتهيج الحقد وتزيد الصد، وهي أوصاف واقعية نلمس أثرها في واقعنا المعاصر، حيث أضحى «الثقاب» الذين يشعلون نيران الفتن يتخفون أحياناً في ثياب «الثقات»، فينقلون الأخبار بلسان معسول وقلب مسموم، ليزرعوا الشك في نفوس الإخوة والأحباب، فكم من بيت تهدم بسبب كلمة نقلت بغير وجه حق، وكم من صداقة عمرها عقود تلاشت في لحظة غضب بسبب واش لم يرقب في مؤمن إلا ولا ذمة.
وهنا يبرز أدب العزلة كدرع واق ورحمة للفؤاد، فكما قيل إن حب العزلة هو راحة من الغيبة وفرار من النميمة، وطمأنينة للنفس تدرأ عنها سقطات اللسان وقيل وقال، فالعزلة عن توافه الأمور عزة، وترميم للنفس التي قد تتبعثر في مجالس اللغو، وإن الواجب الشرعي والأخلاقي يحتم على كل لبيب أن يفعل سلاح التبين والتثبت الذي أمر الله به في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا}، فالتصديق الأعمى لنقالة الكلام هو اشتراك في الجريمة، وسماح لهؤلاء «المفسدين» بأن يديروا علاقاتنا ويتحكموا في مشاعرنا، فالأصل في المسلم سلامة الصدر وإحسان الظن، والرد على النمام بزجره لا بفتح الآذان لسمومه، لأن من نقل إليك نقل عنك، ومن أفسد لك أفسد عليك، فالحذر الحذر من هذا الداء العضال، ولنحرص على أن تكون مجالسنا عامرة بالذكر والإصلاح، بعيدة عن خوارم المروءة التي لا تزيد القلب إلا قسوة ولا المجتمع إلا تفككا.
خاتمة: للشاعر عبدالمجيد بن محمد العُمري:
لا بارك الله فيمن كان يخبرنا
عن الأحبة ما قالوا وما فعلوا
هذي النميمة لا أرضى بها أبدا
والله حرمها والدين والرسلُ
أمسك لسانك، لا تنقل لنا خبرا
إن كان يعقبه التخبيب والخللُ
واحفظ كلامك، إن الشر في فتن
تزري بصاحبها، والنار تشتعلُ
دع الفضول، وعش بالود متزنا
فالصفو باق، وأهل الود ما خذلوا