د.عيد بن حجيج الفايدي
تقف العلاقات السعودية - الروسية في هذا العام عند محطة تاريخية استثنائية، إذ تبلغ عامها المائة في لحظة يشهد فيها النظام الدولي أحد أعمق تحولاته. وتكتسب هذه المئوية دلالات تتجاوز بعدها الزمني، لأنها تأتي في سياق عالمي يُعاد فيه تشكيل موازين القوى ومراكز النفوذ، وتتغير فيه قواعد الاقتصاد والسياسة والتحالفات. وفي هذا المشهد المتحرك، يكتسب الحضور السعودي الرفيع في منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي، «دافوس الروسي»، معنى يتجاوز حدود المشاركة الدبلوماسية التقليدية، ليعكس رؤية إستراتيجية راسخة ذات بعد تاريخي فريد، تؤكد استقلال القرار السعودي وقدرته على بناء شراكات متوازنة مع مختلف القوى الدولية وفقاً لمقتضيات المصلحة الوطنية، لا لإملاءات الاستقطاب الدولي.
فالمملكة التي حظيت باعتراف موسكو المبكر عام 1926 كانت آنذاك دولة فتية تخوض مرحلة ترسيخ الشرعية وبناء المؤسسات، أما اليوم فهي قوة دولية مؤثرة تمتلك ثقلاً سياسياً واقتصادياً واستثمارياً يجعلها شريكاً مطلوباً في مختلف معادلات القوى العالمية. وبين هاتين اللحظتين تمتد رحلة طويلة من التحولات والتقلبات والتقاطعات، التي أنتجت واحدة من أكثر العلاقات الدولية إثارة للاهتمام في منطقة الشرق الأوسط.
لم يكن الاعتراف في أبريل 1926 مجرد خطوة دبلوماسية عابرة، بل كان قراراً يحمل أبعاداً سياسية وإستراتيجية عميقة؛ فموسكو كانت تبحث عن موطئ قدم في المنطقة العربية والعالم الإسلامي، فيما شكّل ذلك الاعتراف سنداً سياسياً مهماً للمملكة في مواجهة التحفظات البريطانية وتوازنات القوى الإقليمية آنذاك. ومنذ ذلك التاريخ، مرت العلاقة بين البلدين بمراحل متباينة تأثرت بالصراعات الكبرى التي طبعت القرن العشرين، وبالاستقطاب الحاد الذي فرضته الحرب الباردة، وبالتحولات الداخلية التي شهدها الاتحاد السوفيتي ثم روسيا الاتحادية لاحقاً.
غير أن التحول الأهم بدأ مع مطلع الألفية الجديدة، حين تجاوز الطرفان إرث الماضي واتجها نحو بناء علاقة قائمة على المصالح المشتركة والتفاهمات العملية. وقد مثّلت الزيارات الرسمية المتبادلة بين موسكو والرياض خلال العقود الماضية محطات مضيئة فتحت الباب أمام مرحلة جديدة من الحوار والتعاون، وتعزز هذا المسار بصورة غير مسبوقة مع تأسيس تحالف «أوبك +» عام 2016، الذي شكّل الإطار الأكثر تأثيراً في تاريخ العلاقات السعودية - الروسية المعاصرة.
لقد أثبت هذا التحول أن المصالح الإستراتيجية قادرة على تجاوز الاختلافات السياسية وتباين الرؤى الدولية؛ فحين تتفق الرياض وموسكو على إدارة التوازنات في سوق الطاقة العالمية، فإنهما لا تؤثران في أسعار النفط فحسب، بل تمارسان دوراً مباشراً في توجيه مسارات الاقتصاد العالمي وتحديد إيقاع النمو والاستثمار والإنفاق في عشرات الدول. كما أن التجارب التي مرت بها العلاقة داخل إطار «أوبك +»، بما فيها الخلافات الحادة التي ظهرت خلال أزمة عام 2020، أكدت أن المصالح المشتركة أعمق من الخلافات العابرة، وأن الطرفين يمتلكان من المكانة السياسية ما يسمح لهما بإعادة بناء التفاهمات كلما اقتضت الضرورة.
ومع مرور السنوات، لم تعد الشراكة السعودية - الروسية محصورة في نطاق الطاقة، بل تحولت إلى مساحة أوسع من التنسيق السياسي والاقتصادي والاستثماري. فقد نشأت بين البلدين لغة تفاوضية مشتركة، وشبكة متنامية من العلاقات المؤسسية والتقنية، الأمر الذي منح العلاقة قدراً من الاستقرار والاستمرارية حتى في ظل التغيرات الدولية المتسارعة. وفي الوقت ذاته، أصبحت هذه العلاقة نموذجاً واضحاً للفلسفة التي تتبناها المملكة في إدارة علاقاتها الخارجية، القائمة على مبدأ الاستقلال الإستراتيجي والانفتاح المتوازن على مختلف القوى الدولية.
فالمملكة اليوم لا تنظر إلى العالم من خلال منطق المحاور المغلقة أو الاصطفافات الجامدة، بل تتعامل مع النظام الدولي بوصفه فضاءً واسعاً للمصالح المتبادلة والشراكات المتعددة. ومن هذا المنطلق، حافظت على شراكتها التاريخية مع الولايات المتحدة، وعززت تعاونها مع الصين، وعمّقت علاقاتها مع روسيا، دون أن ترى في أي من هذه العلاقات سبباً للتخلي عن الأخرى. وقد منحها هذا النهج مكانة تفاوضية متقدمة، وجعلها شريكاً لا يمكن تجاوزه في كثير من القضايا الدولية والإقليمية.
وقد تجلت هذه المقاربة بوضوح خلال السنوات الأخيرة، حين اختارت المملكة الحفاظ على قنوات الحوار والتعاون مع موسكو رغم تصاعد التوتر بين روسيا والغرب على خلفية الحرب في أوكرانيا؛ فلم تنخرط الرياض في سياسة القطيعة أو الاستقطاب، بل تمسكت بمنهج يقوم على التوازن والحوار وحماية المصالح الوطنية، وهو ما عزز صورتها بوصفها دولة تمتلك قرارها السيادي وتدير علاقاتها الدولية وفق حساباتها الخاصة.
وفي هذا الإطار، تكتسب المشاركة السعودية في منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي(2026) أهمية استثنائية، ليس فقط لأنها تتزامن مع الذكرى المئوية للعلاقات بين البلدين، بل لأنها تأتي أيضاً في مرحلة يُعاد فيها رسم خرائط الاقتصاد العالمي وتشكيل مراكز النفوذ الجديدة. فالمنتدى تحول خلال السنوات الأخيرة إلى منصة تجمع بين الاقتصاد والسياسة والإستراتيجية، وأصبح مساحة تتنافس فيها الدول على استعراض رؤاها ومشروعاتها المستقبلية وشبكات تحالفاتها الاقتصادية.
ومن خلال هذه المشاركة، تبرز فرص واسعة للتعاون في مجالات الاستثمار والصناعة والتقنية والطاقة المتقدمة والخدمات اللوجستية والأمن الغذائي والفضاء والذكاء الاصطناعي، وهي مجالات تتقاطع بصورة مباشرة مع مستهدفات رؤية المملكة 2030. كما تعكس المشاركة السعودية رسالة سياسية هادئة لكنها واضحة، مفادها أن المملكة تنظر إلى العالم بمنطق الشراكة لا القطيعة، وبمنطق الانفتاح لا الاصطفاف، وأنها قادرة على الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف الدولية مهما بلغت حدة التنافس بينها.
ومع ذلك، فإن القراءة الموضوعية تقتضي الإقرار بأن هذه العلاقة، على ما بلغته من عمق وتطور، لا تخلو من تحديات وتعقيدات؛ فثمة تباينات قائمة في بعض الملفات الإقليمية، كما أن المصالح الاقتصادية للبلدين قد تتقاطع أحياناً في مجالات التنويع الصناعي وجذب الاستثمارات والأسواق الجديدة. كذلك تظل بعض القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها الملف الإيراني وغيره، محكومة بحسابات مختلفة لدى كل طرف، الأمر الذي يجعل العلاقة بحاجة دائمة إلى إدارة دقيقة للتوازنات وتوسيع مساحات التفاهم.
كما أن الاعتماد الكبير على ملف الطاقة، رغم أهميته الاستثنائية، يفرض ضرورة بناء ركائز إضافية للعلاقة في مجالات التعليم والثقافة والبحث العلمي والتقنية والابتكار، حتى تصبح الشراكة أكثر رسوخاً وأقل تأثراً بالتقلبات السياسية والاقتصادية. فالعلاقات التي تستند إلى قاعدة مؤسسية واسعة تكون أقدر على الصمود أمام تغير الحكومات والظروف الدولية من تلك التي ترتكز على قطاع واحد، مهما بلغت أهميته.
وعند النظر إلى القرن الثاني من هذه العلاقة، تبدو الإمكانات المتاحة أكبر بكثير مما تحقق خلال القرن الأول؛ فالعالم يتجه نحو اقتصاد رقمي متسارع، وإلى سباق عالمي في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والطاقة النظيفة والتقنيات المتقدمة، وهي مجالات تتيح فرصاً واسعة للتكامل بين القدرات التقنية الروسية والموارد والاستثمارات السعودية الضخمة. كما أن التحولات الجيوسياسية الجارية تفتح المجال أمام أدوار جديدة للتنسيق والحوار بين البلدين في قضايا الأمن الإقليمي والتنمية والاستقرار الاقتصادي العالمي، بما يعزز موقع روسيا في شمال آسيا وموقع المملكة المحوري في جنوب غربها.
لقد بدأت هذه العلاقة قبل قرن باعتراف دبلوماسي لدولة ناشئة تبحث عن مكانها بين الأمم، لكنها تقف اليوم عند أفق مختلف تماماً، حيث تتقاطع مصالح دولتين فاعلتين تسعيان إلى تعزيز حضورهما في نظام دولي يتشكل من جديد. وبين البداية وهذه المرحلة المفصلية من الرحلة الممتدة، تتجلى حقيقة أساسية مفادها أن العلاقات الدولية لا يصنعها التاريخ وحده، بل تصنعها أيضاً القدرة على قراءة المستقبل واستثمار الفرص وبناء المصالح المشتركة.
ولهذا، فإن المعنى الأعمق لمئوية العلاقات السعودية - الروسية لا يكمن في استعادة أحداث الماضي أو الاحتفاء بمحطاته التاريخية، بل في استشراف ما يمكن أن يكون عليه المستقبل. فالعلاقة التي نجحت في تجاوز تقلبات القرن الأول مرشحة لأن تصبح أكثر رسوخاً واتساعاً وتأثيراً في القرن الثاني، إذا ما واصل الطرفان تحويل المصالح المشتركة إلى مؤسسات دائمة، والرؤى المتقاربة إلى مشروعات عملية، والتفاهمات السياسية إلى شراكة استراتيجية شاملة قادرة على مواكبة عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة. كما أن تعزيز الزيارات الدورية بين القيادتين وصنّاع القرار يمثل ركيزة عملية لترسيخ هذه الشراكة، حيث يمكن توظيف اختلاف المناخ والجغرافيا كميزة إستراتيجية؛ فتنعقد اللقاءات في المملكة خلال فصل الشتاء في أجواء الصحراء المعتدلة التي توفر بيئة مناسبة للحوار العميق وبناء التفاهمات، فيما تحتضن روسيا اللقاءات في فصل الصيف بما تتيحه من ظروف مناخية مريحة وحيوية اقتصادية نشطة. إن هذا التنوع الموسمي، الممتد بين شمال آسيا وجنوبها، لا يعكس فقط بعداً جغرافياً، بل يترجم فهماً عملياً لكيفية استثمار الاختلافات لصالح تعزيز التواصل واستدامة التنسيق، ويفتح المجال أمام مبادرات مشتركة أكثر مرونة وابتكاراً، بما يعزز استقرار العلاقة ويمنحها بعداً ديناميكياً قادراً على التكيف مع تحولات المستقبل المشرق «إن شاء الله تعالى»