فائز بن سلمان الحمدي
ما أكثر ما تُخطئ الأمم حين تُبدل الحقائق بالصور، والمقاصد بالمظاهر، والغايات بالوسائل. وما من ميدانٍ يتجلّى فيه هذا الخلل اليوم أوضح من ميدان الزواج؛ ذلك الميثاق الذي جُعل ليكون مأوىً للسكينة، ومنبعًا للمودّة، وحصنًا للأسرة، فإذا به عند كثيرٍ من الناس يتحوّل إلى ساحةٍ للتفاخر، وموسمٍ للمباهاة، وميدانٍ تُقاس فيه المكانة بحجم الإنفاق لا بسلامة المقصد. لقد كان الزواج في جوهره بدايةَ حياة، فأصبح عند بعضهم مشروعَ احتفال. وكان عهدًا تُبنى عليه البيوت، فأضحى مناسبةً تُستهلك فيها الطاقات والأموال. وبين الأصل الذي شُرع له والصورة التي آل إليها عند طائفةٍ من الناس مسافةٌ واسعة تستحق التأمل؛ إذ لا تزال الأضواء تخطف الأبصار حتى تحجب عن كثيرين حقيقةً جليّة: أن البيوت لا تُشيَّد بالبهرج، ولا تُحفظ بالمظاهر، وإنما تقوم على الحكمة والمودّة وحسن التدبير.
ما كان الزواج في أصله احتفالًا صاخبًا تُستنزف فيه الأموال، ولا مشهدًا استعراضيًا تتزاحم فيه الأعين قبل القلوب، وإنما شُرع ليكون ميثاقًا وثيقَ العُرى، راسخَ الدعائم، تُبنى عليه البيوت، وتُصان به الأعراض، وتنبثق منه أسرةٌ هي اللبنة الأولى في عمران المجتمعات واستقامة الحضارات. غير أنّ ريحًا عاتيةً من ثقافة التكلّف قد هبّت على كثيرٍ من الناس، فشوّهت المعاني، وألبست المقاصد أثوابًا من الزيف، حتى غدا الزواج عند طائفةٍ منهم موسمًا للمباهاة والتفاخر، لا مشروعًا للسكينة والتراحم. فأصبحت المناسبة التي كان ينبغي أن تُستقبل بوقارٍ واعتدال تُدار اليوم بعقلية الأسواق، وتُقاس بمعايير الفرجة والإبهار، وكأنّ نجاح الحياة الزوجية رهينٌ بضخامة الإنفاق، أو كثرة الحضور، أو صخب الاحتفاء.
تُعلَن الخطبة، فلا تكاد تكون وعدًا بالاقتران حتى تتحول إلى مهرجان، ثم تتوالد المناسبات من المناسبات، وتتسلسل الاحتفالات في نسقٍ لا يكاد ينقضي، حتى يُفضي الأمر إلى عرسٍ يُراد له أن يغدو أعجوبةَ الأبصار وحديثَ المجالس.
وهكذا يُستهلك من المال ما لو وُجِّه إلى بناء الحياة لكان أبقى أثرًا، وأعظم نفعًا، وأدوم بركة. والعجيب أنّ كثيرًا من هذا الإسراف لا تمليه حاجة، ولا يقتضيه عقل، ولا يأمر به شرع؛ وإنما ينشأ من المقارنات الاجتماعية، ومن رهبة الأحكام العابرة التي يصدرها الناس في مجالسهم. فينفق المرء لا عن اقتناع، بل خشيةَ أن يُقال: قصّر، ويتكلّف لا رغبةً فيما يصنع، بل خوفًا أن يُظنّ به العجز أو القلة. وهكذا يستحيل التقليد الأعمى سلطانًا خفيًا يسوق الجموع إلى ما لا طائل منه. ولو أنّ المتسابقين في مضمار المظاهر تأملوا قليلًا لأدركوا أنّ الأضواء التي تتلألأ ليلةً واحدة لا تهب بيتًا استقرارًا، وأنّ الزخارف مهما بلغت من الفخامة لا تصنع مودّةً بين قلبين، وأنّ الضجيج الذي يملأ القاعات سرعان ما يخبو، لتبقى بعده حقيقة الحياة بأعبائها ومسؤولياتها وتحدياتها اليومية. فالحياة الزوجية لا تُختبر تحت وهج الثريات، بل تحت وطأة الأيام. ولا تُقاس ببهاء القاعات، بل بمتانة التفاهم، وسعة الصدر، وحسن العشرة، وصدق المودة. هناك، في تفاصيل العيش اليومية الصغيرة، يتجلّى معدن الإنسان، وتنكشف قيمة الاختيار، وتظهر الثمار الحقيقية التي لا تراها عدسات المصورين ولا تنقلها منصات التواصل.
وكم من عروسين أقبلا على ليلة زفافهما بوجوهٍ يعلوها البِشر، وقلوبٍ تفيض بالأمل، ثم ما لبثت تلك الابتسامات أن أثقلتها الهموم؛ لأنّ البدايات التي كان يُرجى لها أن تكون مهبطًا للسكينة أُغرقت في أعباءٍ لم تكن ضرورةً ولا حاجة. فما إن تنطفئ الأنوار، وتُطوى صفحات الاحتفال، ويعود الضيوف إلى بيوتهم، حتى يبقى الزوجان وحدهما في مواجهة واقعٍ لا يعرف التصفيق، ولا تُعينه الزينة، ولا تخفف وطأته صور الذكريات. هناك تبدأ رحلة الحياة على حقيقتها؛ رحلةُ أقساطٍ تتوالى استحقاقاتها، وديونٍ تُلاحق، وأحلامٍ أُجِّلت، وربما حاجاتٍ أساسية حُرِما منها لأنّ المال أُهدر في ساعاتٍ معدودات. وما أقسى أن يتحول يومٌ أُريد له أن يكون فاتحة سعادةٍ إلى ذكرى تختلط في النفوس بحسرة الكلفة وثقل الأعباء. وما أشدّ المفارقة حين يُبدِّد بعض الناس ثرواتٍ طائلة في ساعاتٍ معدودات، ثم يدخلون معترك الحياة مثقلين بالديون، منهكي القوى، يحملون أعباء سنواتٍ طويلة بسبب قرارٍ اتُّخذ تحت ضغط المباهاة لا تحت هدي الحكمة. وكأنّهم يؤثرون صورةً عابرة على مصلحةٍ باقية، أو يقدّمون إعجاب الناس المؤقت على استقرارهم الدائم.
وليس المقصود من هذا كله مصادرة الفرح؛ فالفرح زينة المناسبات، وإظهار السرور من شيم النفوس السوية. ولكن المقصود أن يبقى الفرح في حدوده النبيلة، وأن يظل خادمًا للمعنى لا سيّدًا عليه، وأن يكون وسيلةً لإشهار النكاح وإدخال البهجة، لا بابًا إلى السرف والتكلّف واستنزاف الموارد.
إنّ الزواج ليس صفقةً اجتماعية تُدار بمنطق الاستعراض، ولا منصةً للتنافس في إظهار القدرة المالية، بل هو عهدٌ تُرجى به السكينة، وميثاقٌ تُبتغى به الرحمة، ومسيرةٌ طويلة تحتاج من العقل والحكمة أكثر مما تحتاج من الزينة والبهرج. فإذا انطفأت الثريات، وسكتت الأصوات، وغادر الضيوف، وانفضّ الجمع، لم يبقَ إلا الزوجان في مواجهة الحقيقة المجرّدة؛ حقيقةِ بيتٍ إمّا أن يكون قد بُني على الحكمة فيثبت، أو بُني على المظاهر فيتصدّع تحت أثقالها. هنالك لا تنفع الزينة، ولا يغني التصفيق، ولا تسدّ الصورُ دينًا، ولا تصنع الذكريات استقرارًا. فطوبى لمن آثر الباقي على الفاني، والحقيقة على المظهر، والبركة على المباهاة؛ فإنّ البيوت لا ترفعها الأموال إذا غابت المودّة، ولا تحفظها المظاهر إذا فقدت الرحمة، وإنما تُشاد دعائمها بقلوبٍ صادقة، وعقولٍ راشدة، ونفوسٍ عرفت أنّ أعظم ما يبدأ به الزواج ليس حفلةً تُذكر، بل حياة جديرة بأن تُعاش.