تركي بن سعد السعد
علم النفس الصناعي هو فرع حيوي من فروع علم النفس، يهدف إلى تطبيق المبادئ والاكتشافات النفسية على بيئة العمل والمهن بشكل عام، والصناعة بشكل خاص، يتمثل دوره الأساسي في فهم المشكلات التي قد تنشأ في هذا الميدان والسعي لإيجاد حلول علمية وإنسانية لها. إن الهدف الأسمى هو رفع الكفاءة الإنتاجية وتحقيق جودة حياة العامل وراحته ورضاه الوظيفي.
يتعامل علم النفس الصناعي مع الفرد داخل بيئة العمل، ويسعى لتحقيق التوافق النفسي لديه من خلال معالجة التحديات الشخصية وتلك المتعلقة بالعمل. هذا بدوره ينعكس إيجابا على الإنتاجية، ويسهم بشكل مباشر في دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، ولا يقتصر دور هذا العلم على وضع الشخص المناسب في المكان المناسب فحسب، بل يمتد ليشمل الاهتمام بالجوانب النفسية والمعنوية للعامل، مما يساعده على تحقيق التوافق مع ذاته ومع طبيعة عمله.
ولعلم النفس الصناعي ميادين ومجالات عمل واسعة ومتنوعة، من أهم هذه الميادين التي يرتكز عليها:
* المواءمة المهنية: يركز هذا الميدان على ضمان وضع الشخص المناسب في الوظيفة المناسبة، يتضمن ذلك مجموعة من الإجراءات مثل:
* الاختيار المهني: تحديد الأفراد الأكثر ملاءمة للوظائف الشاغرة.
* التدريب المهني: تزويد العاملين بالمهارات اللازمة لأداء مهامهم بكفاءة.
* التأهيل المهني: إعداد الأفراد لسوق العمل أو لإعادة تأهيلهم لوظائف جديدة.
* الهندسة البشرية: تهتم بتحسين البيئة المادية للعمل، بما في ذلك:
* الإضاءة والتهوية: توفير ظروف عمل مريحة وصحية.
* الأدوات والآلات: تصميمها بطريقة تقلل من الإجهاد وتزيد من الكفاءة والسلامة.
* درجة الحرارة والرطوبة: الحفاظ على مستويات مناسبة لراحة العامل.
* تؤثر هذه العوامل بشكل مباشر على كفاءة العامل وجودة الإنتاج.
* العلاقات الإنسانية: تركز على تعزيز العلاقات الإيجابية بين الزملاء داخل بيئة العمل.
أثبتت الدراسات أن العلاقات الاجتماعية والشخصية الإيجابية بين العاملين ترتبط بشكل مباشر بارتفاع جودة العمل وزيادة كفاءة الإنتاج.
* الأمن الصناعي: يقوم بدراسة وتحليل أسباب الحوادث في بيئة العمل، وكيفية تجنبها والوقاية منها، مما يساهم في حماية الأرواح والممتلكات.
ولعلم النفس الصناعي أهداف محددة تتجلى أهميتها في السياق السعودي، إذ يسعى علم النفس الصناعي لتحقيق مجموعة منها:
* رفع الكفاءة الإنتاجية.
* تحسين الروح المعنوية للعاملين.
* تحسين بيئة وظروف العمل والآلات.
* حل المشكلات والصراعات التي قد تنشأ بين العامل وزميله، أو بين العامل وصاحب العمل.
* إعداد برامج تدريب وتطوير تهدف إلى رفع كفاءة العامل وزيادة الإنتاجية.
إن تحقيق هذه الأهداف ينعكس إيجاباً على الكفاءة الإنتاجية الشاملة داخل أي منشأة. تتسابق الدول المتقدمة علميًا وتكنولوجيا في دعم هذا العلم بجميع الموارد المادية والمعنوية، لإدراكها العميق لأهميته في تحقيق التقدم العلمي والتكنولوجي. في المملكة العربية السعودية، ومع رؤية 2030 والتحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة، يتزايد الوعي بأهمية علم النفس الصناعي ودوره المحوري، على الرغم من أن الدول العربية بما فيها المملكة، قد بدأت خطوات إيجابية من خلال إنشاء مراكز التدريب والتأهيل المهني ونشر برامج التوعية المهنية، إلا أن الطريق لا يزال طويلاً نحو التبني الكامل للمنهجيات العلمية والتكنولوجية في إدارة الموارد البشرية، ليس فقط على صعيد الآلات والمعدات، بل الأهم على صعيد العلوم النظرية والتعليمية والنفسية والاجتماعية التي تعنى بشؤون الأفراد والعمال وراحتهم النفسية، والتي تعتبر حجر الزاوية في العملية الإنتاجية.
منذ انطلاق الثورة الصناعية في أوروبا، أولت الدول المتقدمة عناية فائقة بالعامل وظروف بيئة العمل، وحتى بالعلاقات بين العمال وأصحاب العمل، لما لذلك من فائدة مباشرة في كفاءة العمل. تسعى المملكة العربية السعودية، بنسب متفاوتة، للاستفادة من هذه الأساليب المطبقة في الدول المتقدمة، حيث بدأت بالإحساس بأهمية العامل والعناية به، ويتجلى ذلك في افتتاح العديد من مراكز التدريب والتأهيل المهني، وتأهيل المدربين المعتمدين، ونشر البرامج التوعوية المتخصصة في المجال المهني.
في هذا السياق، تبرز جامعة الملك سعود كإحدى المؤسسات الأكاديمية الرائدة التي تقدر دراسة وتدريب علم النفس الصناعي، مما يعكس التزامها بتطوير الكفاءات البشرية في سوق العمل السعودي.