صالح الشادي
تأمل معي هذا المشهد: عالم يحدق في مجهره لساعات، يرى عجباً من التناسق والتعقيد داخل نواة الخلية، ثم يرفع رأسه ليعلن للعالم أن هذا «تطور بالصدفة». لا يكاد يذكر اسم الله، ولا يردد قول الله تعالى: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} (الذاريات: 21). العلماء اليوم، حتى من يُوصفون بـ«أهل الكتاب» منهم، يتحدثون عن الجاذبية والرعد والذبذبات كأنها ألعاب طاقة صماء، ويتجنبون بعناية سؤالاً بسيطاً: من الذي خلق هذه الطاقة وقوانينها؟ الأمر أشبه بأن تقف أمام لوحة بديعة الصنع، فتشيد بجودة الألوان وتفاعلاتها الكيميائية، وتنسى تماماً الإله العظيم الذي نظمها بهذا الإتقان.
والمؤلم أن بعض العلماء المسلمين، يقفون مع قلة ممن يذكرون الله، انساقوا خلف هذه الفلسفة الصامتة. كأنهم استوردوا مع المعادلات العلمية «عقلاً» يقول: لا حاجة للحديث عن الخالق هنا. بينما القرآن يملأ الآفاق بتذكيرنا: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ} (آل عمران: 190). فلماذا أصبح «أولو الألباب» يتحدثون بلسان المادة فقط؟
حتى اليابان وروسيا والصين، بتراثها الروحي الغني، صارت مختبراتها تخلو من الإشارة إلى ما وراء الطبيعة. وكأن المنهج العلمي الحديث وُلد يتيماً، فربما كان هذا ثمن الهروب من هيمنة الكنيسة في عصور الظلام الأوروبية. انتقل العلماء من قمع ديني يكبت البحث، إلى إغفال تام للغيب، كأن الكون صندوق مغلق يكفي أن نعرف كيف تدور أجزاؤه، ولا داعي للسؤال لماذا هو موجود أصلاً.
أعجب من ذلك حديثهم عن المرض. تجدهم يتحدثون عن الفيروس والجراثيم والمكروبات القاتلة بلغة معادلة باردة، وكأنها قوى طبيعية لا روح فيها. لكن القرآن يخبرنا أن في المخلوقات ما هو جند لله: {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (الفتح: 4). والأحاديث النبوية تذكر صراحة أن الحمى مثلاً «نفخة من النار» أو أن «العين حق»، وتوجب الرقية. ولكنك لا تجد في المؤتمرات الطبية الدولية من يجرؤ على فتح ملف «الشيطان» كعامل مرضي. بالطبع، لا يعني هذا أن نترك الدواء، فالرسول عليه الصلاة والسلام قال: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ مَعَهُ شِفَاءً» (رواه الترمذي). لكن الفارق شاسع بين من يرى الدواء مجرد مادة كيميائية، وبين من يراه سبباً مادياً خلفه مسبب حقيقي هو خالق الأسباب.
لماذا حدث هذا الانفصال؟ لأن بعض العلماء أحبوا «الواقعية» واعتقدوا أن الحديث عن الخالق «غير علمي». ففصلوا الدين عن العلم، كأن الدين في السماء والعلم على الأرض، ولا يلتقيان أبداً. هذا هو الخطأ الكبير.
فالقرآن يقدّم لنا منهجاً مختلفاً: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} (فصلت: 53). الآية لا تقول: «أنزلنا عليكم كتاباً»، بل تقول: (سنريهم آياتنا في الآفاق والأنفس). أي أن المختبرات والكواكب والمجهر والتلسكوب كلها «آيات» نراها، ولكن بعض الناس لا يبصرون العلامات.
نحن بحاجة إلى عودة، لا إلى الغلو الديني الذي يحارب العلم، ولا إلى العلمانية التي تجفف الروح. بل إلى عقلية المؤمن الذي يرى في كل قانون فيزيائي سنة من سنن الله، وفي كل خلية قولاً من أقواله: «كن». عندها سنفهم حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ» (رواه مسلم). الكلمات الثلاث الأخيرة هي المفتاح: «بِإِذْنِ اللهِ».
هذا هو الغائب الأكبر عن مختبراتنا: الإذن الإلهي الذي يجعل من المضاد الحيوي شفاء، ومن الرقية شفاء، ومن الماء العذب شفاء. فمتى نرد للعلم اعتباره ونرجعه الى السماء؟