عمرو أبوالعطا
في لحظة تاريخية تتسارع فيها التحولات داخل المملكة العربية السعودية، لا تبدو السينما مجرد إضافة إلى المشهد الثقافي، بل هي امتداد عضوي لتحول أعمق يمس بنية المجتمع ذاته، ويعيد صياغة العلاقة بين الإنسان وصورته، وبين الذاكرة والحداثة، وبين المكان باعتباره جذراً ممتداً في التاريخ، والزمان بوصفه حركة مفتوحة على المستقبل. إن السينما هنا لا تعمل كمرآة سطحية، بل كجهاز إدراك ثقافي يعيد ترتيب العالم بصرياً، ويكشف ما يتشكل تحت السطح من تحولات فكرية، واجتماعية، واقتصادية، في سياق رؤية وطنية شاملة تعيد تعريف مفهوم الثقافة بوصفها قوة إنتاج لا مجرد تعبير.
منذ البدايات الأولى لتشكل الوعي بالصورة في المملكة، كانت السينما حاضرة في أشكال أولية مرتبطة بالتوعية والتنمية، حين قدمت شركة أرامكو فيلم «الذباب» كتجربة مبكرة لتوظيف الصورة في خدمة الصحة العامة، في دلالة مبكرة على إدراك قوة الوسيط البصري. ثم جاءت مرحلة العروض المحدودة في المجمعات السكنية والأندية، حيث تشكلت علاقة أولية بين الجمهور والصورة المتحركة، علاقة لم تكن مستقرة لكنها كانت كافية لتأسيس وعي أولي بإمكانية السينما كفضاء للتجربة والمعرفة.
غير أن التحول الأكبر لم يكن في الحضور، بل في الغياب نفسه، حين دخلت السينما مرحلة توقف مؤسسي في أواخر السبعينيات. لم يكن هذا الغياب فراغاً، كان انتقالاً للسينما إلى أشكال أخرى من الوجود، حيث استمرت في الظهور عبر محاولات فردية ووثائقية محدودة، شكلت نوعاً من المقاومة البصرية الصامتة. كان أبرزها تجارب عبد الله المحيسن الذي تعامل مع الفيلم كوثيقة فكرية، لا مجرد عمل فني. فقدم أعمالاً مثل «تطوير مدينة الرياض» الذي ركز على التحولات العمرانية والاجتماعية في لحظة تشكلها، وفيلم «اغتيال مدينة» الذي تناول الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، حيث تتحول المدينة إلى موضوع تفكير، لا مجرد خلفية للأحداث، ويصبح الفيلم أداة لقراءة التحولات.
ومع دخول الألفية الجديدة، حدث التحول الأكثر جذرية، حين انتقلت الصورة من فضاء المؤسسة إلى فضاء الفرد، ومن شاشة العرض إلى شاشة الإنترنت، ومن الإنتاج المحدود إلى الفضاء المفتوح. هنا ظهر جيل جديد من صناع المحتوى السينمائي الرقمي، وجد في منصة اليوتيوب مجالاً للتعبير الحر، حيث تشكلت مجموعات مثل «تلفاز 11» و»يوتيرن»، التي كانت مختبراً لتشكيل لغة بصرية سعودية جديدة، تقوم على السخرية الذكية، وعلى نقد الحياة اليومية، وعلى إعادة تفكيك الهوية الاجتماعية من داخلها، في لحظة كانت فيها الصورة تتحول إلى لغة اجتماعية عامة، يتداولها الجميع ويعيدون إنتاجها وتأويلها.
هذا التحول الرقمي كان تحولاً في بنية الوعي ذاته، حيث أصبح الفرد منتجاً للصورة لا متلقياً فقط، وأصبح السرد البصري جزءاً من الحياة اليومية، في عملية أعادت تشكيل العلاقة بين المجتمع والتمثيل البصري، ومهدت الطريق لمرحلة لاحقة أكثر مؤسسية وعمقاً.
ومع إعلان رؤية المملكة 2030، دخلت السينما مرحلة إعادة التأسيس الشامل، حيث أعيد فتح دور العرض في عام 2018، وبدأت عملية بناء منظومة سينمائية متكاملة، تشمل التشريع، والإنتاج، والتوزيع، والتدريب، في إطار اقتصادي وثقافي واسع يعيد تعريف الثقافة بوصفها قطاعاً إنتاجياً. في هذه المرحلة، لم تعد السينما نشاطاً هامشياً، بل أصبحت جزءاً من مشروع الدولة في تنويع الاقتصاد، وتوسيع القوة الناعمة، وبناء صناعة ترفيه وثقافة متكاملة.
تأسست هيئة الأفلام، وبدأت الاستراتيجيات الثقافية في تحويل السينما إلى قطاع حيوي، وتوسعت المهرجانات لتصبح منصات دولية، حيث برز مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي في جدة بوصفه نافذة عالمية على الإنتاج السينمائي، بينما حافظ مهرجان أفلام السعودية في الظهران على دوره بوصفه حاضنة للهوية المحلية والتجريب الشبابي، في توازن دقيق بين المحلي والعالمي، بين التأسيس والانفتاح.
هنا، بدأت السينما السعودية في إنتاج خطابها الخاص، خطاب يصف الواقع ويحلله ويعيد تشكيله جمالياً، حيث ظهرت أعمال أصبحت علامات في هذا التحول، مثل «وجدة» لهيفاء المنصور، الذي قدم صوت الطفولة والأنوثة كمدخلاً لسؤال الحرية، حيث تتحول رغبة طفلة في امتلاك دراجة إلى استعارة كبرى عن الحق في الحلم، وعن حدود الممكن الاجتماعي. ثم جاء «المرشحة المثالية» ليقدم انتقالاً من الحلم الفردي إلى الفعل العام، حيث تصبح المرأة فاعلاً سياسياً داخل المجال العام، في تحول يعكس تغيراً عميقاً في البنية الفكرية للمجتمع.
وفي اتجاه موازٍ، قدمت شهد أمين في «سيدة البحر» رؤية رمزية تعيد تفكيك السلطة الاجتماعية عبر الفانتازيا، حيث يتحول السرد إلى مساحة تأويلية مفتوحة، تعيد النظر في العلاقة بين الجسد والسلطة، وبين الرمز والواقع، في تجربة تعكس تنوع الأساليب السينمائية السعودية الحديثة.
أما المدينة، فقد تحولت إلى عنصر مركزي في البناء السينمائي، حيث لم تعد الخلفية الحضرية مجرد ديكور، أصبحت شخصية درامية مستقلة، تحمل توتراً داخلياً يعكس التحولات الاجتماعية والاقتصادية. في «بركة يقابل بركة» تتحول جدة إلى فضاء ساخر يكشف التناقض بين الانفتاح والقيود، بينما تقدم أعمال أخرى الرياض كمدينة مزدوجة، تجمع بين البريق العمراني والقلق الوجودي، وبين السرعة المفرطة والبحث عن معنى داخلي أكثر ثباتاً.
وفي «مندوب الليل»، تظهر الرياض في صورتها الأكثر كثافة وليلية، حيث تتحول الشوارع إلى متاهة نفسية، ويصبح الليل فضاء للاختبار الإنساني، حيث يتقاطع الفقر مع الطموح، والقانون مع الحاجة، في بناء بصري يعكس قلق الإنسان في المدينة الحديثة، ويعيد تعريف العلاقة بين الفرد والمكان.
أما في «حد الطار»، فإن السينما تصل إلى لحظة نضج فكري واضح، يتحول الصراع العاطفي إلى سؤال فلسفي حول القدر والاختيار، وحول العلاقة بين التقاليد والرغبة، في معالجة لا تصطدم بالموروث، بل تكشف طبقاته الداخلية وتعقيداته الإنسانية، حيث يصبح كل قرار فردي محملاً بثقل اجتماعي وتاريخي كثيف. ومع هذا التطور الفني، تتوسع الصناعة السينمائية بوصفها قطاعاً اقتصادياً متكاملاً، حيث تدخل شركات العرض مثل موي، وفوكس، وإمباير في بناء بنية تحتية حديثة، بينما تتوسع شركات الإنتاج المحلي، وتظهر كيانات مستقلة تعتمد على نموذج «البوتيك» الإنتاجي، حيث يجتمع الإبداع مع ريادة الأعمال، في نموذج يعكس تحول المخرج إلى منتج، والفكرة إلى مشروع اقتصادي.
ويظهر فيلم «سطار» نموذجاً للسينما الجماهيرية السعودية، حيث يحقق توازناً بين الكوميديا الشعبية والهوية المحلية، ويقدم مثالاً على قدرة السينما السعودية على إنتاج أعمال جماهيرية ناجحة دون فقدان خصوصيتها الثقافية، في دلالة على نضج السوق المحلي واتساع قاعدة الجمهور.
تتطور السينما الوثائقية كمساحة لحفظ الذاكرة الوطنية، فتتحول الصورة إلى أرشيف حي للتحولات الاجتماعية، وتصبح الوثيقة السينمائية وسيلة لفهم التاريخ من داخل تفاصيله اليومية، حيث يُعاد بناء العلاقة بين الإنسان وذاكرته عبر الصورة المتحركة، في أعمال توثق المكان والإنسان والتحول معاً.
أما الأنيميشن، فقد دخل كمجال جديد يعيد تشكيل علاقة الأجيال بالثقافة، حيث قدمت أعمال مثل «الرحلة» نموذجاً للتعاون الدولي، وفتحت المجال أمام مشاركة سعودية في صناعة الرسوم المتحركة العالمية، بينما أعادت مسلسلات الأنيميشن إحياء التراث الشعبي في قالب معاصر، يجمع بين الترفيه والتربية.
تلعب الكوميديا دوراً محورياً في التعبير عن التحولات الاجتماعية، حيث تمتد من «طاش ما طاش» إلى السينما الحديثة، لتصبح أداة نقد ناعمة، تعكس مرونة المجتمع وقدرته على التعامل مع التغيير عبر الضحك، حيث تتحول السخرية إلى وسيلة لفهم الواقع لا للهروب منه.
ومع دخول التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، تتغير أدوات الإنتاج السينمائي، حيث تصبح الصورة أكثر تعقيداً، ويصبح الخيال أكثر اتساعاً، في علاقة جديدة بين الإنسان والآلة، حيث لا يُنظر إلى التقنية بوصفها تهديداً، بل بوصفها امتداداً للإبداع البشري.
تتطور السينما التعليمية عبر برامج الابتعاث الثقافي، ومعامل البحر الأحمر، وأكاديميات نيوم، حيث يتم بناء جيل جديد من صناع الأفلام يجمع بين المعرفة الأكاديمية والخبرة الميدانية، في مشروع يهدف إلى تأسيس رأس مال بشري إبداعي قادر على المنافسة العالمية.
وتدخل السينما أيضاً في علاقة وثيقة مع السياحة، حيث تتحول العلا ونيوم وتبوك إلى مواقع تصوير عالمية، وتصبح الصورة السينمائية أداة لتسويق المكان، حيث يكتشف العالم جغرافيا السعودية من خلال الشاشة، في تداخل بين الثقافة والاقتصاد والمكان.
السينما السعودية مشروع حضاري مفتوح، لا يكتفي بإنتاج الأفلام، بل يعيد إنتاج الوعي نفسه، ويعيد تعريف العلاقة بين الإنسان وصورته، وبين المجتمع وذاكرته، وبين الحلم وإمكاناته. إنها حركة فكرية وجمالية متواصلة، تجعل من الشاشة فضاءً دائماً لإعادة اكتشاف الذات، وتضع السينما في قلب التحول السعودي بوصفها مرآة للفكر، وصوتاً للزمن، وصورة لمستقبل لا يزال يتشكل أمام العيون.