د. عبدالمحسن الرحيمي
(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ).
ليست كل الهزائم تأتي من الخارج. أحيانًا يكون الإنسان هو أكثر الكائنات قسوة على نفسه. ينجو من الأزمات، لكنه لا ينجو من صوته الداخلي. يتجاوز التعثر، لكنه يبقى أسيرًا لذكرى السقوط. يخرج من التجربة، لكنه لا يخرج من محاكمته المستمرة لذاته.
ولهذا جاءت الآية الكريمة عميقة في بنائها النفسي والوجودي حين قالت: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ). فالقرآن لم يقدّم الابتلاء بوصفه حادثًا استثنائيًا، بل باعتباره جزءًا من قانون الحياة البشرية. الإنسان سيواجه الخوف، والنقص، والفقد، والقلق، والتغيرات التي تهز استقراره الداخلي. لكن المشكلة الكبرى ليست في الابتلاء نفسه، بل في الطريقة التي يترجم بها الإنسان هذا الابتلاء داخل وعيه.
هناك من يرى التعثر تجربة مؤقتة، وهناك من يحوله إلى تعريف كامل لذاته. وهنا تبدأ أخطر مراحل الانهيار النفسي؛ حين لا يعود الإنسان يعاقب خطأه فقط، بل يعاقب وجوده كله.
عقاب الذات أصبح اليوم واحدًا من أكثر الأزمات صمتًا داخل المجتمعات الحديثة. لأن الإنسان المعاصر يعيش تحت ضغط هائل لصناعة صورة مثالية عن نفسه. نجاح دائم، إنجاز مستمر، حضور اجتماعي، تفوق مهني، واستقرار نفسي بلا اهتزاز. حتى أصبح الخطأ في نظر البعض ليس تجربة إنسانية، بل فضيحة وجودية.
التقارير النفسية والاقتصادية الحديثة تكشف أن الخسائر الناتجة عن القلق والاكتئاب والانسحاب النفسي لم تعد مجرد أزمات فردية، بل تحولت إلى عبء اقتصادي عالمي. فوفق تقديرات منظمة الصحة العالمية، يخسر الاقتصاد العالمي ما يقارب تريليون دولار سنويًا نتيجة انخفاض الإنتاجية المرتبط بالاضطرابات النفسية وفقدان الدافعية الداخلية. وهذه الأرقام لا تعبّر فقط عن تكلفة علاجية، بل عن طاقات بشرية توقفت قبل أن تصل إلى إمكاناتها الحقيقية.
وفي البيئات التعليمية تحديدًا، تشير دراسات دولية إلى أن الخوف من الفشل أصبح أحد أهم أسباب الانسحاب الأكاديمي وفقدان الثقة بالمسار المهني. الطالب أحيانًا لا يتوقف بسبب ضعف القدرة، بل بسبب اقتناعه الداخلي أن التعثر الأول يعني النهاية. وهنا يتحول النظام النفسي الداخلي إلى خصم أخطر من أي تحدٍ خارجي.
ولهذا نرى كثيرًا من البشر لا يسقطون بسبب الفشل ذاته، بل بسبب شعورهم أن الفشل يعني نهاية قيمتهم. طالب يتعثر أكاديميًا فيقتنع أنه خسر مستقبله. موظف يخسر فرصة فيبدأ تدريجيًا في الانسحاب من الحياة المهنية. إنسان يمر بأزمة نفسية فيعيش خجلًا داخليًا يجعله يختبئ من نفسه قبل الناس. وهكذا يتحول الخطأ من حدث عابر إلى سجن داخلي طويل.
ولعل أخطر ما في عقاب الذات أنه لا يأتي دائمًا على شكل انهيار واضح، بل يظهر أحيانًا في صورة هدوء بارد. شخص توقف عن المحاولة دون أن يعلن ذلك. إنسان فقد شغفه لكنه ما زال يمارس حياته آليًا. شاب يخاف اتخاذ القرار لأنه لم يعد يثق بقدرته على النجاة من الخطأ. إنهم بشر يعيشون بأجساد تتحرك، لكن بداخلهم وعي متعب يستنزف نفسه بصمت.
وفي مقالي السابق «الطالب بين الوعي وإرادة المصير»، تحدثت عن أن الإنسان لا يجب أن يُختزل في نتيجة أو مرحلة أو تعثر مؤقت، لأن المصير الحقيقي لا تصنعه لحظة واحدة. واليوم تتجاوز هذه الفكرة حدود الطالب والجامعة، لتصبح قضية مجتمع كامل يعيش أحيانًا تحت ضغط المقارنة والخوف والإدانة المستمرة.
ومن هنا تظهر أهمية التحول السعودي الحديث في فهم الإنسان وبناء الأنظمة. فالكثير من الجامعات السعودية اليوم لم تعد تتعامل مع الطالب بعقلية «النهاية المغلقة»، بل بعقلية «إعادة تشكيل الفرص». أصبح التحويل بين التخصصات متاحًا، والانتقال بين الجامعات أكثر مرونة، وبرامج الاستدراك الأكاديمي جزء من فلسفة التطوير. وهذا التحول ليس مجرد قرار تنظيمي، بل انعكاس لرؤية أعمق تؤمن أن الإنسان ليس رقمًا جامدًا، بل كائن يتطور ويفهم ذاته وينضج عبر التجربة.
هذا النموذج ينسجم مع التحولات الكبرى في رؤية السعودية 2030، التي أعادت تعريف التنمية بوصفها بناءً للإنسان قبل الأرقام. فالمملكة لا تستثمر فقط في البنية التحتية أو الاقتصاد الرقمي، بل في خلق بيئات أكثر مرونة تسمح بإعادة التمكين، ورفع جودة الحياة، وتحسين الصحة النفسية، وتعزيز كفاءة رأس المال البشري. لأن الإنسان الذي يفقد ثقته بنفسه يتحول تدريجيًا إلى طاقة معطلة، مهما امتلك من قدرات.
وقد أثبتت تجارب عالمية عديدة أن المجتمعات التي تبني أنظمة مرنة في التعليم والعمل والصحة النفسية تحقق معدلات أعلى في الابتكار والإنتاجية والاستقرار الاجتماعي. ففي بعض الجامعات العالمية الكبرى، ارتفعت نسب عودة الطلاب المتعثرين وإكمالهم لمساراتهم التعليمية بعد تطبيق برامج الدعم النفسي وإعادة التوجيه الأكاديمي، وهو ما انعكس اقتصاديًا على تقليل الهدر التعليمي ورفع كفاءة المخرجات البشرية.
هذه الفلسفة تحمل بعدًا حضاريًا مهمًا؛ لأن المجتمعات التي تريد صناعة مستقبل حقيقي لا تبني الإنسان على الخوف، بل على القدرة على العودة بعد التعثر. فالإنسان قد يخطئ في اختيار تخصص، أو وظيفة، أو قرار مصيري، لكن الخطأ لا ينبغي أن يتحول إلى حكم مؤبد على حياته كلها.
بل إن بعض أعظم التحولات الإنسانية تبدأ أصلًا من لحظات الانكسار. فالألم أحيانًا لا يكشف ضعف الإنسان، بل يكشف عمقه. والذين عبروا التجارب الثقيلة غالبًا يصبحون أكثر فهمًا للحياة، وأكثر قدرة على قراءة البشر، وأكثر نضجًا في اتخاذ القرار.
حتى الأنبياء، وهم صفوة الخلق، لم تكن حياتهم معزولة عن الألم والابتلاء. يوسف عليه السلام انتقل من البئر إلى السجن قبل التمكين، ويونس عليه السلام عاش ظلمات البحر قبل النجاة، ورسولنا صلى الله عليه وسلم مرّ بأعوام من الحصار والفقد والأذى. لم يكن الابتلاء نفيًا لقيمتهم، بل جزءًا من صناعة وعيهم ورسالتهم.
ولهذا فإن الوعي الحقيقي لا يعني أن يعيش الإنسان بلا أخطاء، بل أن يفهم أن الخطأ لا يساوي نهايته. وأن التعثر لا يلغي قيمته. وأن الحياة لا تُبنى على الكمال، بل على القدرة المستمرة على النهوض وإعادة البناء.
المدرسة السعودية للقيادة الواعية لا تسعى إلى صناعة إنسان معصوم من السقوط، بل إنسان يمتلك الشجاعة النفسية للعودة بعد السقوط. لأن الأمم الكبرى لا تُقاس بعدد الذين لم يفشلوا، بل بعدد الذين رفضوا أن يتحول الفشل إلى نهاية داخلية.
وفي النهاية، ربما لا يحتاج الإنسان إلى حياة خالية من الابتلاء، بقدر ما يحتاج إلى وعي أرحم بنفسه. فالله سبحانه لم يخلق البشر معصومين من الخطأ، بل خلق داخلهم القدرة على التوبة، والتجاوز، والتعلم، وإعادة صناعة المعنى من جديد. والإنسان الذي يتقن النهوض بعد انكساراته، ربما يكون أكثر قوة من إنسان لم يعرف السقوط أصلًا.