د.عبدالرحيم محمود جاموس
ما زال الكثير من العقل العربي يعيش داخل «الصندوق»، أسير منظومات فكرية مغلقة، يتغذى على الأوهام أكثر مما يتغذى على الحقائق، ويستهلك الشعارات أكثر مما ينتج الأفكار. وفي عالم يتغير بسرعة هائلة، ما زالت قطاعات واسعة من النخب والجماهير تفسر الواقع بأدوات قديمة، وتتعامل مع التحديات الجديدة بعقلية الأمس، فتكرر الأخطاء نفسها وتنتظر نتائج مختلفة.
لقد تحولت بعض الشعارات عبر الزمن إلى بديل عن التفكير، وإلى وسيلة للهروب من مواجهة الواقع. فبدلاً من البحث عن أسباب التراجع، جرى الاكتفاء بترديد العناوين الكبرى. وبدلاً من مراجعة التجارب الفاشلة، جرى تقديسها. وبدلاً من الاعتراف بالأخطاء، جرى تحميل المسؤولية دائماً للآخرين. وهكذا تراكمت الخسائر، بينما ظل الخطاب ذاته يتكرر وكأن الزمن لم يتحرك، وكأن الوقائع لا تفرض مراجعاتها القاسية على الجميع.
إن أخطر ما تفعله الأوهام أنها تمنح أصحابها شعوراً زائفاً بالاطمئنان. فالعقل الذي يعيش داخل الصندوق لا يرى العالم كما هو، بل كما يريد أن يراه. ولهذا يصبح أسيراً للصور النمطية، وللمقولات الجاهزة، وللرغبات التي تتنكر للوقائع. وعندما تصطدم هذه الأوهام بالحقيقة تكون الصدمة كبيرة، لأن الفجوة بين الخطاب والواقع تكون قد اتسعت إلى حد يصعب ردمه.
ولعل ما تشهده المنطقة العربية خلال العقود الأخيرة يقدم أمثلة لا حصر لها على ذلك. فقد سقطت شعارات كبرى أمام اختبار الواقع، وتهاوت مشاريع رفعت وعوداً ضخمة لكنها عجزت عن تحقيق الحد الأدنى من أهدافها، فيما استمرت بعض النخب في تبرير الإخفاق بدلاً من دراسته وفهم أسبابه. وهكذا تحولت الثقافة السياسية في كثير من الأحيان من ثقافة نقد ومراجعة إلى ثقافة تبرير وإنكار، الأمر الذي عمّق الفجوة بين الواقع كما هو، والصورة التي يراد للناس أن يصدقوها.
لقد أثبتت تجارب الأمم أن النهضة لا تبدأ من الشعارات، بل من النقد الذاتي. ولا تبدأ من تبرير الفشل، بل من الاعتراف به. ولا تبدأ من تمجيد الماضي، بل من فهمه والاستفادة من دروسه والبناء عليها. فالتاريخ ليس مكاناً للإقامة الدائمة، بل مصدر خبرة يساعد على صناعة المستقبل.
إن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من الخطب الرنانة، بل إلى عقل نقدي حر، قادر على طرح الأسئلة الصعبة، ومراجعة المسلمات، وقياس الإنجازات بمعايير الواقع لا بمعايير الدعاية. فالأمم التي تتقدم هي تلك التي تمتلك شجاعة النظر في المرآة، لا تلك التي تكتفي بالنظر إلى الآخرين وتحميلهم مسؤولية كل ما تعانيه.
إن أزمة العقل العربي ليست في قلة الذكاء، ولا في ندرة الطاقات البشرية، بل في استمرار هيمنة أنماط من التفكير ترفض مراجعة ذاتها، وتخشى مواجهة الحقيقة كما هي. فالعقول التي تعيش على الأوهام لا تستطيع صناعة واقع جديد، والشعوب التي تكتفي بترديد الشعارات لا يمكنها أن تكتب تاريخاً مختلفاً.
لقد دفع العرب أثماناً باهظة نتيجة الخلط بين الحلم والواقع، وبين الرغبة والقدرة، وبين الخطاب والحقيقة. وما لم تتحول ثقافة المراجعة والنقد والمساءلة إلى جزء أصيل من الوعي الجمعي، فإن دائرة الإخفاق ستستمر في إعادة إنتاج نفسها بأسماء وعناوين مختلفة.
إن الخروج من الصندوق ليس مجرد تغيير في الأفكار، بل هو تحرر من الخوف الفكري، ومن القداسة الزائفة للأشخاص والشعارات والتجارب. إنه انتقال من عقل يبرر الواقع إلى عقل يغيره، ومن وعي يستهلك الأوهام إلى وعي يصنع المستقبل.
فالأمم لا تنهض بما تتمنى، بل بما تعرف. ولا تنتصر بما ترفع من شعارات، بل بما تمتلك من رؤية وعلم وإرادة وعمل. وبين الوهم والحقيقة، وبين الصندوق والفضاء المفتوح، يتحدد مصير الشعوب ومستقبل الأوطان.
لقد آن الأوان للخروج من صندوق الأوهام والشعارات والحقائق المعلبة، والانطلاق نحو فضاء أرحب من التفكير الحر والمسؤول. فالمستقبل لا يصنعه الذين يكررون ما قيل بالأمس، بل الذين يمتلكون الجرأة على مراجعة الذات، والقدرة على التعلم من الأخطاء، والإرادة لصناعة واقع أفضل. وعندها فقط يتحول الوعي من عبء على النهضة إلى رافعة لها، ويتحول العقل من أسير للصندوق إلى صانع للمستقبل.