مرفت بخاري
ليس الحب أن يلتقي شخصان في لحظة دهشة، بل أن يختارا بعضهما بعد ألف دهشة وألف اختبار، فالبدايات الجميلة ليست نادرة، أما الاستمرار فهو المعجزة الحقيقية التي لا ينجح، الكثير بالوصول لها، وتتباين الحكايات والظروف والأحلام، لكن ثمة حقيقة إنسانية تتكرر منذ بدء الخليقة حتى يومنا هذا، وهي أن الحب يبقى واحدًا مهما تعددت أسبابه.
قد يبدأ الحب بنظرة، أو بموقف عابر، أو بكلمة صادقة، أو بمشاركة حلم صغير على هامش الحياة، لكنه ما يلبث أن يتحول إلى وطن كامل يسكنه القلب، يصبح الحبيب مرآة للأيام الجميلة، ورفيقًا للفرح والحزن، وشاهدًا على الانتصارات والانكسارات، حتى يبدو وكأن الزمن نفسه يعيد ترتيب إيقاعه حول وجوده.
ولأن الحب بهذه العظمة، فقد اعتاد الناس أن يقيسوه بلحظة اشتعاله، بينما الحقيقة أن قيمته لا تكمن في بدايته، بل في قدرته على البقاء، فليس الإنجاز أن يولد الحب، وإنما الإنجاز أن يستمر، ليست المعجزة أن تلتقي روحان في لحظة دهشة، وإنما أن تحافظا على دهشتهما بعد سنوات طويلة من تفاصيل الحياة، وبعد أن تتكشف الطباع، وتظهر الاختلافات، وتتوالى الاختبارات.
كثير من قصص الحب التي انتهت بالفشل دفعت البعض إلى بناء أحكام قاسية على الحب ذاته، وكأن تعثر بعض المسافرين دليل على خطأ الطريق، والحقيقة أن الحب في كثير من الأحيان لا يكون هو ما فشل، بل تفشل الخيارات الخاطئة، أو ينهزم النضج أمام العجلة، أو تتغلب الظروف على الاستعداد، أو تعجز النفوس عن حمل مسؤولية ما تمنته يومًا.
فالحب الحقيقي لا يعيش على الاندفاع وحده، ولا يكتفي بحرارة المشاعر الأولى إنه مشروع طويل يحتاج إلى وعي يحرسه، وصبر يغذيه، ورحمة تتسع لعيوبه البشرية، فالعاقل لا يخاف من الحب، بل يحميه، لا يهرب من نقاط ضعفه، بل ينقب عنها كما ينقب الباحث عن الماء في قلب الصحراء، ليحولها إلى منابع قوة تمنحه القدرة على الاستمرار.
إن أجمل ما في الحب ليس لحظة الولادة، بل رحلة النمو، فكما لا تصبح الشجرة عظيمة يوم غرسها، لا يصبح الحب عظيمًا يوم بدايته، الشجرة تكتسب هيبتها من الفصول التي عبرتها، ومن الرياح التي واجهتها، ومن الجفاف الذي صبرت عليه حتى امتدت جذورها عميقًا في الأرض، وكذلك الحب، لا يكتسب معناه من البدايات المبهرة، بل من الأوقات التي كان يمكن أن ينتهي فيها ثم اختار البقاء.
ولهذا يبدو الحب الذي يدوم عشرات السنين أشبه بتحفة إنسانية نادرة، ليس لأن أصحابه لم يختلفوا، ولا لأنهم عاشوا حياة مثالية، بل لأنهم أدركوا أن العلاقة ليست ساحة انتصار لأحد الطرفين، بل مساحة مشتركة للنجاة معًا، عرفوا أن الوفاء قرار يتجدد، وأن الاحترام ممارسة يومية، وأن المشاعر مهما كانت عظيمة لا تكفي وحدها إذا لم تسندها الحكمة.
وفي المقابل، هناك من يتخذ من سقوط الآخرين منصة لطمأنة نفسه، يراقب القصص الفاشلة ليؤكد صحة قناعاته، ويجعل من تعثر العشاق دليلًا على استحالة النجاح، لكنه يغفل عن حقيقة بسيطة، وهي أن فشل تجربة لا يحكم على الفكرة كلها، وأن خراب بيت لا يعني استحالة بناء البيوت.
فالإنسان الواثق من خياراته لا يحتاج إلى أن تتحطم سفن الآخرين ليقتنع أن سفينته تسير في الاتجاه الصحيح، الحكمة لا تحتفل بسقوط الناس، بل تتعلم منه، والوعي لا يتغذى على الخذلان، بل يستخرج من التجارب دروسًا تعين على صناعة مستقبل أكثر نضجًا.
إن الحب في جوهره ليس عاطفة عابرة تهبط على القلب كوميض خاطف ثم تختفي، بل بناء إنساني عظيم يجمع بين القلب الذي يشعر، والعقل الذي يبصر، وحين ينفصل أحدهما عن الآخر يختل التوازن، فالقلب وحده قد يندفع حتى الضياع، والعقل وحده قد يحسب كل شيء حتى يفقد القدرة على الحياة، أما حين يتصافحان، فإن الحب يتحول إلى قوة قادرة على العبور فوق تقلبات الأيام.
ولعل أعظم ما يكشف حقيقة الحب أن الزمن لا ينتصر عليه، بل يصقله فبعد سنوات طويلة لا يبقى الانبهار الأول كما كان، لكن يولد شيء أعمق وأرسخ وأجمل، يولد ذلك الشعور الهادئ الذي يشبه جذور الأشجار العتيقة، لا يلفت الأنظار كما تفعل الأزهار الموسمية، لكنه يبقى ثابتًا حين تتساقط الأوراق وتشتد العواصف.
لهذا لا يُقاس الحب الحقيقي بقوة اللقاء، بل بقدرة البقاء، فاللقاء قد تصنعه المصادفة، أما البقاء فيصنعه الوعي. واللحظة قد تصنعها المشاعر، أما العمر فيصنعه الاختيار.
ومع ذلك، فإن أكثر ما يرهق الإنسان ليس نهاية بعض القصص، بل خوفه من استقبال قصة جديدة، فالخذلان لا يؤلم بقدر ما تؤلم الظنون التي يتركها خلفه إذ يتحول القلب أحيانًا إلى حارس متوجس، يراقب القادم بعين الماضي، ويقيس الوجوه الجديدة بمقاييس وجوه رحلت منذ زمن.
غير أن الحياة لا تقوم على الثبات، بل على التجدد، وما دام الإنسان يتغير كل يوم، فمن الظلم أن يحاكم الغد بأخطاء الأمس، فالشخص الذي خرج من التجربة ليس هو الشخص الذي دخلها، والعين التي بكت لم تعد ترى الأشياء بالطريقة ذاتها، والقلب الذي تعلم من انكساراته أصبح أكثر قدرة على التمييز بين الوهم والحقيقة.
ولهذا فإن العوض لا يأتي دائمًا على هيئة شخص جديد، بل يأتي أولًا على هيئة إنسان جديد يسكن داخلنا، يأتي في صورة نضج أكبر، وبصيرة أوسع، وثقة أعمق بالنفس وبالحياة، وحين يكتمل هذا التحول الداخلي، يصبح استقبال الفرص الجديدة فعلًا طبيعيًا لا معركة يخوضها الإنسان ضد مخاوفه.
فالعوض في جوهره ليس استبدال شخص بشخص، ولا قصة بقصة، بل هو قدرة الروح على أن تزهر من جديد بعد مواسم الجفاف، وهو الدليل الأوضح على أن الحياة لا تغلق أبوابها أمام أحد، وأن النهايات التي ظنناها يومًا نهاية الطريق لم تكن سوى منعطف يقود إلى طريق آخر.
إن التغير ليس عدو الإنسان كما يظن البعض، بل هو المعنى الأعمق للحياة، فكل ما في هذا الكون يتحرك ويتبدل وينمو، الأنهار لا تعود إلى منبعها، والفصول لا تتوقف عند فصل واحد، والإنسان نفسه لا يبقى على حاله بين صباح ومساء، ومن يقاوم التغير يقاوم سنة الحياة ذاتها، أما من يتقبله فإنه يكتشف أن كل مرحلة تحمل نسخة جديدة منه، أكثر فهمًا وأقرب إلى نفسه الحقيقية.
لهذا لا ينبغي أن نسأل بعد كل خذلان ماذا فقدنا، بل ماذا أصبحنا، لأن ما نصبحه بعد العواصف أهم بكثير مما فقدناه أثناء مرورها، وهناك، في المسافة الفاصلة بين الألم والتعافي، يولد الإنسان الذي كان من المستحيل أن يولد لولا التجربة. وحين ينظر إلى الوراء بعد زمن، يدرك أن ما ظنه يومًا خسارة كان بداية لنضج لم يكن ليبلغه بغيرها، وأن الطريق الذي انكسر فيه قلبه كان ذاته الطريق الذي قاده إلى معرفة نفسه على نحو أعمق.
وفي النهاية، ليست قيمة الحياة فيما تمنحنا إياه من لحظات سعيدة فحسب، بل فيما تعلمنا إياه من دروس خلال لحظات الانكسار، فكل تجربة، مهما كانت قاسية، تترك في داخلنا أثرًا يصنعنا من جديد، وما دام في الإنسان قدرة على النهوض، فإن الأمل يبقى حاضرًا، والعوض ممكنًا، والبدايات الجديدة أقرب مما يظن.
لذلك لا تخشَ التغير، ولا تحزن على ما مضى أكثر مما ينبغي، فربما يكون أجمل ما في القادم أنه لم يأتِ بعد، تتعدد الأسباب والعشق واحد. يبدأ من رغبة الإنسان في أن يجد من يشاركه الطريق، ثم ينضج حتى يصبحا قادرين على السير معًا رغم وعورة الطريق. وهناك، في المسافة الممتدة بين أول نبضة وآخر العمر، يولد الحب الذي يستحق أن يسمى بحب.