هشام عدرة
يُعَرِّفْ المختصون والأكاديميون (البيئة) بأنها مجموعة النظم الطبيعية (بمكوناتها الحية وغير الحية) التي تحيط بالمجتمعات الإنسانية والكائنات الحية الأخرى وهي المكان التي تمارس فيه الكائنات الحية كافة أنشطة حياتها المختلفة، حيث تستمد منه مستلزمات حياتها وتفرّغ فيها مفرزات هذه الأنشطة، كما أن البيئة تعمل على إكساب حياة الجماعة طابعها المميز، وتشتمل البيئة -حسب المختصين- ثلاثة أبعاد رئيسية متكاملة وهي:
النظام الطبيعي: وهي الطبيعة المحيطة (حركة - توازن - تغير).
النظام الاجتماعي: العلاقات الاجتماعية.
النظام الثقافي: السلوك الذي يتعلمه الإنسان من الكائنات المحيطة.
وقد فرضت جائحة كورونا في السنوات الست الأخيرة نفسها على العالم والإنسان وصحته وبيئته، فيما فرضت الحرب الروسية الأوكرانية المخاوف من حرب كونية نووية، أو إعادة كارثة تشيرنوبل، نفسها على الكرة الأرضية والعالم بأسره فأعادت موضوع التلوث البيئي الشعاعي وحماية بيئة الأرض إلى الواجهة من جديد، كما أعادت حرائق الغابات والحراج التي حصلت بشكل كبير في السنتين الماضيتين في مختلف دول العالم إعطاء الأولوية إلى البيئة الطبيعية والتأكيد على أن موضوع البيئة باختصار هو (موضوع الحياة على هذا الكوكب)، في صورتها الطبيعية والبشرية فالحياة تقوم على البيئة الطبيعية والبيئة الاجتماعية، ويرى الباحث الدكتور مروان اللحام أن قضايا البيئة نشأت عندما تخطى الإنسان حدود العلاقة الحوارية والتعاونية مع معطيات الطبيعة من خلال سوء استخدام الموارد الطبيعية إما باستنزاف ما لا يتجدد منها أو بإطلاق آثارها الضارة على الحياة، وإذا استثنينا بعض الظواهر التي تتم في إطار الطبيعة نفسها وفقاً لقوانينها، فإن قضايا البيئة تدور كلها حول الإنسان فهي من صنعه في تعامله مع أخيه الإنسان كالحروب المدمرة أو من سوء التخطيط الاقتصادي والاجتماعي أو من سوء استعمال الموارد وما ينتج عنها من تلوث البيئة الطبيعية في البر والبحر والهواء، وعلى سبيل المثال فإن حريق في حراج أو غابة أو إزالة الاحراج من منطقة ما ثمنه حدوث سيول ثقيلة في منطقة أخرى حيث يجد الملايين أنفسهم بلا مأوى ويصبحون هدفاً سهلاً للأمراض الفتّاكة..
وهذا ما يفسر لنا السيول التي حصلت مؤخراً في العديد من بلدان العالم بعد موجة الحرائق التي أصابت الغابات والأحراج.
في حين أن فوائد الغابات والأشجار الحراجية لا تحصى وأبرزها هي تنظيفها للهواء ولبيئة الإنسان من خلال امتصاص غاز الكربون وطرح الأوكسجين الضروري جداً لحياة الإنسان كما أن الغابة تحفظ التربة من الانجراف وتثبتها وتزيد خصوبتها وتحد من عوامل التعرية كما تحافظ على المياه ومصادرها وكما قال أحد الحكماء:
(إذا أردت أن تدّمر أرضاً فاقطع غابتها)؟!.
كذلك فإن نقص موارد المياه والتخلص من الفضلات بطريقة غير صحية ومجاري المياه التي تعيش فيها الكائنات الناقلة للأمراض، تتسبب في وفاة أكثر من ثلاثة ملايين طفل سنوياً بالإسهال في بلدان العالم الثالث أي أكثر من نصف وفيات الأطفال سببه أمراض الاسهال الناتج عن الملوثات والخلل البيئي الصحّي.
وحسب الباحثين والمهتمين فإن (التلوث الشعاعي) يعتبر من أخطر الملوثات في العالم ويؤكد الدكتور اللحام أن المصادر الطبيعية للأشعة هي الأشعة الكونية والاشعاعات الصادرة عن التربة والاشعاعات الموجودة في جسم الإنسان أما المصادر الصناعية فهي ناتجة عن تساقط الغبار الذري الناتج عن التغييرات النووية وعن المفاعلات الذرية والأشعة التشخيصية والأشعة العلاجية وعن استخدام النظائر المشعة وعن التعرض السكّاني الناتج عن المفاعلات النووية ويأتي خطر العناصر المشعة كونها تنتقل من الوسط إلى الكائنات الحية النباتية والحيوانية مع زيادة في التركيز أي أنها ذات صفة تراكمية فالستروسيوم المشع مثلا مشابه كيميائياً للكالسيوم الذي يدخل في تركيب العظام ويحل محل الكالسيوم خاصة عند الأطفال حيث يصل تركيزه في أجسامهم إلى 10 - 15 مرة أكثر من البالغين وتشير الدراسات العلمية إلى أن بعض الحشرات تزيد تركيز الفوسفور المشع في جسمها بأكثر من 500 مرة من تركيزه في الوسط المحيط وبالنسبة للآثار البيولوجية للإشعاعات نجد أن لها آثاراً وراثية فالآثار الذاتية تتمثل في آثار مبكرة ينشأ عنها أمراض شعاعية ونقص كريات الدم البيضاء والتهابات معوية واحمرار الجلد وغيرها، وهناك الآثار المتأخرة والمعروفة ولعلّ أبرزها وأخطرها هي إحداث طفرات وزيادة نسبة المرض وراثياً في الأجيال التالية.