يحيى جابر
تُعد النصوص الإعلامية الركيزة الأساسية التي تقوم عليها العملية الإعلامية بمختلف أشكالها، فهي المفردات والكلمات والمعلومات والأرقام التي تنتقل كاتب النص الى المؤسسات الإعلامية ومن ثم إلى الجمهور، وعلى الرغم من التطورات التقنية المتسارعة التي شهدها قطاع الإعلام خلال العقود الأخيرة، فإن النص الإعلامي لا يزال يمثل القلب النابض للعمل الإعلامي، إذ تبدأ منه الرسالة الإعلامية وتنتهي إليه عملية التأثير في المتلقي.
ويعرّف الدكتور محمد منير حجاب، أستاذ الإعلام المصري، النص الإعلامي بأنه رسالة اتصالية تُصاغ وفق قواعد مهنية محددة بهدف نقل المعلومات والحقائق والآراء إلى الجمهور عبر وسيلة إعلامية معينة، أما الدكتور محمود علم الدين، أستاذ الصحافة بجامعة القاهرة، فيرى أن النص الإعلامي يمثل البنية اللغوية التي تتحول من خلالها الأحداث والوقائع إلى محتوى قابل للنشر والفهم والتأثير، ويؤكد الباحث الجزائري الدكتور عبد الرحمن عزي أن النص الإعلامي لا يقتصر على نقل المعلومات فحسب، بل يسهم في إنتاج المعاني وبناء التصورات الذهنية لدى الجمهور.
وتبرز أهمية النصوص الإعلامية في ظل التوسع الهائل في استخدام وسائل الاتصال الحديثة، فقد أعلن الاتحاد الدولي للاتصالات في تقرير «الحقائق والأرقام 2024» أن عدد مستخدمي الإنترنت حول العالم بلغ نحو 5.5 مليار مستخدم، أي ما يعادل قرابة 68 في المائة من سكان العالم، مقارنة بنحو 2.7 مليار مستخدم فقط عام 2013، ما يعكس تضاعف حجم الجمهور الذي يتلقى النصوص الإعلامية عبر المنصات الرقمية خلال عقد واحد فقط مصد المعلومة، (الاتحاد الدولي للاتصالات - سويسرا - تقرير الحقائق والأرقام 2024).
وتشير نتائج تقرير الأخبار الرقمية الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة بجامعة أكسفورد لعام 2024 إلى أن الهواتف الذكية أصبحت الوسيلة الأكثر استخداماً للحصول على الأخبار الرقمية في معظم الأسواق الإعلامية التي شملتها الدراسة، وهو ما فرض على المؤسسات الإعلامية تطوير نصوص أكثر اختصاراً ووضوحاً وسرعة في الوصول إلى المعلومة مصدر المعلومة، (معهد رويترز لدراسة الصحافة - المملكة المتحدة - تقرير الأخبار الرقمية 2024).
وترتكز النصوص الإعلامية على مجموعة من الخصائص المهنية والتحريرية التي تميزها عن غيرها من النصوص، وتأتي الدقة في مقدمة هذه الخصائص، إذ ترتبط مصداقية الوسيلة الإعلامية بمدى صحة المعلومات الواردة في النص، كما يتميز النص الإعلامي بالوضوح الذي يضمن وصول الرسالة إلى مختلف فئات الجمهور، والإيجاز الذي يسمح بتقديم أكبر قدر من المعلومات بأقل عدد ممكن من الكلمات، إضافة إلى الموضوعية والتوازن والقدرة على جذب انتباه المتلقي، وأن يكون النص بدايته المهم فالأقل أهمية، ويجيب على الأسئلة الاستفهامية.
وتصنف النصوص الإعلامية إلى عدة أنواع رئيسة، يأتي في مقدمتها النص الخبري الذي يركز على نقل الوقائع والأحداث، والنص التفسيري الذي يقدم خلفيات وشروحاً تساعد الجمهور على فهم القضايا المطروحة، والنص التحليلي الذي يتناول الأسباب والنتائج والتداعيات، إضافة إلى النص الاستقصائي الذي يعتمد على البحث والتقصي وجمع المعلومات من مصادر متعددة للكشف عن قضايا أو معلومات غير معروفة للرأي العام.
وتؤدي النصوص الإعلامية مجموعة واسعة من الوظائف المعرفية والاجتماعية والثقافية، فمن الناحية الإخبارية توفر المعلومات التي يحتاجها الأفراد لفهم ما يحدث في محيطهم المحلي والعالمي، ومن الناحية التعليمية تسهم في نشر المعرفة والثقافة العامة، كما تؤدي دوراً رقابياً من خلال متابعة أداء المؤسسات العامة والخاصة وكشف أوجه القصور أو الفساد، وتؤكد منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» أن الإعلام المهني يشكل أحد أهم ركائز الشفافية والمساءلة في المجتمعات الحديثة، مصدر المعلومة، (اليونسكو - فرنسا - تقرير تنمية الإعلام العالمي 2023).
ويرتبط فهم النصوص الإعلامية بعدد من النظريات العلمية التي شكلت أساس الدراسات الإعلامية الحديثة، ومن أبرزها نظرية وضع الأولويات التي قدمها الباحثان الأمريكيان ماكسويل ماكومبس ودونالد شو عام 1972، والتي ترى أن وسائل الإعلام لا تخبر الناس بما يفكرون فيه فحسب، بل تحدد أيضاً القضايا التي ينبغي أن يفكروا بشأنها من خلال حجم الاهتمام الذي تمنحه لكل قضية، وقد أثبتت عشرات الدراسات اللاحقة وجود علاقة وثيقة بين أولويات التغطية الإعلامية وأولويات الرأي العام.
كما تُعد نظرية حارس البوابة من أهم النظريات المرتبطة بالنصوص الإعلامية، وقد طورها عالم النفس الألماني الأمريكي كورت لوين في أربعينيات القرن الماضي، ثم جرى تطبيقها على العمل الإعلامي، وتفترض النظرية أن المعلومات لا تصل إلى الجمهور بصورة عشوائية، بل تمر عبر سلسلة من المحررين والصحفيين والمسؤولين الذين يقررون ما الذي يُنشر وما الذي يُستبعد، وهو ما يمنح النص الإعلامي أهمية كبيرة في عملية انتقاء المعلومات وصياغتها.
وتبرز أيضاً نظرية الاستخدامات والإشباعات التي تؤكد أن الجمهور ليس متلقياً سلبياً للرسائل الإعلامية، بل يبحث عن الوسائل والمضامين التي تلبي احتياجاته المعرفية والاجتماعية والثقافية والترفيهية، ووفقاً لهذه النظرية، فإن نجاح النص الإعلامي يقاس بقدرته على إشباع حاجات الجمهور وتحقيق قيمة مضافة له.
ومن النظريات المهمة كذلك نظرية التأطير الإعلامي التي تركز على الطريقة التي يُقدَّم بها الحدث داخل النص الإعلامي، وتأطير الخبر في الإطار والزاوية التي يرغبها كاتب النص الإعلامي، فاختيار الكلمات والعناوين والصور والترتيب التحريري يؤثر بصورة مباشرة في تفسير الجمهور للأحداث والقضايا من الزاوية التي يحددها كاتب النص، ولهذا السبب أصبحت دراسات تحليل الخطاب الإعلامي من أكثر مجالات البحث الإعلامي انتشاراً في الجامعات ومراكز الدراسات حول العالم.
أما نظرية الغرس الثقافي التي طورها الباحث الأمريكي جورج جربنر، فترى أن التعرض المتكرر للمضامين الإعلامية يسهم في تكوين تصورات ذهنية طويلة المدى لدى الجمهور حول الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي، ووفقاً لهذه النظرية فإن النصوص الإعلامية لا تنقل الواقع فقط، بل تشارك في تشكيل صورة ذلك الواقع داخل أذهان المتلقين. وتزداد أهمية النصوص الإعلامية في البيئة الرقمية الحديثة نتيجة المنافسة الشديدة بين المؤسسات الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي من ناحية السرعة والتأثير المباشر، فقد أكدت البيانات أن المستخدم العادي يقضي أكثر من ساعتين يومياً في تصفح منصات التواصل الاجتماعي، الأمر الذي يجعل النصوص الإعلامية الرقمية أحد أكثر أشكال المحتوى حضوراً وتأثيراً في الحياة اليومية، وأشار تقرير الأخبار الرقمية لمعهد رويترز لعام 2024 إلى تراجع ثقة الجمهور بالأخبار في العديد من الدول مقارنة بالسنوات السابقة، وهو ما دفع المؤسسات الإعلامية إلى التركيز بصورة أكبر على التحقق من المعلومات وتعزيز المصداقية والشفافية في إنتاج النصوص الإعلامية أكثر دقة وتأثير، (معهد رويترز لدراسة الصحافة - المملكة المتحدة - تقرير الأخبار الرقمية 2024).
وعلى المستوى العربي، شهدت الدراسات المتعلقة بالنصوص الإعلامية تطوراً ملحوظاً خلال العقود الأخيرة، فقد أوضح مركز الجزيرة للدراسات أن تحليل الخطاب الإعلامي ودراسة المضامين الإعلامية أصبحا من أكثر مجالات البحث الإعلامي انتشاراً في الجامعات العربية خلال العقدين الماضيين، نتيجة التحولات السياسية والاجتماعية والتقنية التي شهدتها المنطقة (مركز الجزيرة للدراسات - قطر - 2022).
وتتطلب كتابة النص الإعلامي الناجح الالتزام بمجموعة من المعايير المهنية، أبرزها التحقق من المعلومات من مصادر موثوقة، والفصل بين الرأي والخبر، والالتزام بالدقة والتوازن، واستخدام لغة واضحة وسهلة الفهم، كما يجب أن يراعي النص الإعلامي خصائص الجمهور المستهدف وطبيعة الوسيلة الإعلامية المستخدمة، سواء كانت صحيفة أو قناة تلفزيونية أو منصة رقمية أو وسيلة تواصل اجتماعي، وفي الأساس كاتب نص محترف.
وفي ظل التدفق الهائل للمعلومات الذي يميز العصر الرقمي، أصبحت النصوص الإعلامية أكثر من مجرد أدوات لنقل الأخبار، بل تحولت إلى وسائل لصناعة المعنى وبناء المعرفة وتوجيه النقاش العام، بطريقة احترافية ذكية، ومن خلال ما تستند إليه من قواعد مهنية ونظريات علمية وأدوار اجتماعية وثقافية، تظل النصوص الإعلامية أحد أهم العناصر المؤثرة في تشكيل الرأي العام وصناعة الوعي في المجتمعات الحديثة، الأمر الذي يجعل تطويرها والارتقاء بجودتها ضرورة أساسية لضمان إعلام مهني قادر على خدمة المجتمع وتعزيز المعرفة ومواجهة المعلومات المضللة.
ويستخدم النص الإعلامي في بناء العناوين والنصوص الخبرية الأخرى التي تستخدم في الصحافة مثل الخبر والتقرير والتحقيق والبروفايل والمقال والحوار والشروحات على الصورة الصحفية وحتى الكاركتير والفيديوهات والقصيرة والريلز، والجرافيك والتي تكتب نصاً أو يقرأ على إثرها النص بصوت، فيتحول النص من الكتابة للقراءة.
ويؤثر النص كلما كان ذكياً واحترافي وملفت للانتباه، وكلما كان شكل الوسيلة مبهراً من ناحية الجودة والدقة والألوان واستخدام المؤثرات بشكل مهني احترافي.
وكل ما نراه في وسائل الإعلام من التلفزيون والصحف والسوشل ميديا هي نصوص فأنت تقرأ مفردات وأرقام وترجمة وتسمع أصوات تتكلم بنصوص وترى حوارات كلها نصوص، ومنها النص الإعلامي.
والوسيلة الإعلامية التي تريد أن تكون متميزة لابد أن تحظى بكاتب نص محترف، وأدوات إبهار تنتج مواد مؤثرة، وتجيد السرعة والدقة ولا تكل ولا تمل.
** **
- دكتوراة صحافة وإعلام