د. رنا بنت عبدالله الغامدي
كنت أقف على بعد خطوات منها، أراقب المشهد دون أن أتدخل.
في قلب المشهد طالبة جامعية سعودية، كانت تقف أمام لجنة التحكيم، في معرض سيؤل الدولي للاختراعات بكوريا الجنوبية، كان هناك مترجم يترجم حديثها من الإنجليزية إلى اللغة الكورية، وهي مستمرة في سرد فكرة مشروعها بكل حماس متغلبة على رهبة اللحظة ومن حين لآخر تختلس نظرة تجاهي تبحث عن تعابير تنبئها بأنها على المسار الصحيح. وبالرغم من أن هذه كانت أول مشاركة خارجية لها إلا أنها تماسكت أمام لجنة التحكيم، وقدمت فكرتها بثقة، لتعود للوطن في نهاية التجربة بميدالية وتكريم يليقان بجهدها وإخلاصها.
ولم تكن هذه الطالبة وحدها في تلك التجربة. كان هناك طلاب وطالبات آخرون من الوفد يمرون بالمشهد نفسه بدرجات مختلفة من القلق والحماس والترقب. كنت أراقبهم تارة بعين المشرف الذي يريد أن يطمئن إلى جاهزيتهم، وتارة بعاطفة فيها مشاعر الأمومة؛ فرحت لثباتهم، وقلقت من ارتباكهم، مع أمنية بأن تصل أفكارهم إلى لجنة التحكيم بالشكل اللائق.
من جدة إلى سيؤل، بعيدًا عن أسوار الجامعة، عشت مع الطلاب والطالبات تجربة فريدة خرجت منها بالكثير من التأملات.
في مثل هذه المحافل ذات الطبيعة الابتكارية، يكون الطالب على سجيته، خارج الفصول الدراسية والأنشطة التي اعتدنا رؤيته خلالها. وهي فرصة نادرة لاكتشاف ما يملكه الطالب من مهارات لا تكشفها غالبًا الامتحانات المنهجية؛ من تواصل، ومرونة، وقدرة على التعامل مع الضغط، وحل المشكلات، والعمل بروح الفريق. عاصرت قلقهم قبل المعرض، وحماسهم أثنائه وهم يشرحون أفكارهم ويناقشون المحكمين، وحرصهم على تمثيل وطنهم وجامعتهم بأفضل صورة. ورأيت كيف يمكن لكلمات إيجابية بسيطة أن تنقل أحدهم من التردد والانكماش إلى الثقة والحماس؛ فالطالب حين يجد من يسمعه، ويثق به، ويمهد له الطريق، يصبح متأهبًا لتقديم أفضل ما لديه. إن هذه النخبة المبدعة من الطلبة لم تصل إلى هذه المرحلة بالموهبة وحدها، بل بعملهم وحرصهم واجتهادهم، وباستفادتهم من البرامج الجامعية المؤهلة التي جعلت تلك الموهبة تجد طريقها إلى الظهور.
حتى المواقف الصغيرة العابرة كانت جزءًا من دروس هذه التجربة. فعندما تأخرت بعض أمتعة الطلبة ولم تصل مع نفس الرحلة، تعلموا الدرس الأول، وهو أن السفر، مثل البحث والابتكار، لا يمضي دائمًا وفق الخطة الأولى، وأن حسن التصرف يبدأ من وجود خطة بديلة. وحين اقترب موعد إعلان النتائج، ظهر لي بوضوح كيف يختلف تعامل الطلبة مع الترقب والتوتر، وكيف يفرحون بالفوز، بعضهم بهتافات عالية وآخرون بهدوء واثق، هناك من يتقبل النتيجة بروح رياضية دون أن يفقد شغفه، وهناك طبعاً من يحتاج للمواساة والاحتواء.
هذه التجربة أتاحت لهم التعرف على بلد جديد، وصنع صداقات مع طلبة ومبتكرين من دول مختلفة، وزيارة أركان المشاركين، وتبادل الأحاديث مع مشرفين ومؤسسات تعليمية جاءت من ثقافات متعددة. كما أضافت زيارة المعالم التاريخية، وتجربة الزي التقليدي، والتعامل اليومي مع الناس هناك إثراء ثقافي لا يُنسى. وهنا أدركت أن الطالب حين يسافر للمشاركة الابتكارية لا يتعلم من مشروعه العلمي فقط، بل من المدينة، والناس، والاختلاف، ومن كل موقف يختبر فيه نفسه خارج محيطه المعتاد.
ومن هنا أطرح بعض التساؤلات: لماذا تبقى مثل هذه التجارب الثرية مرتبطة غالبًا بالسفر إلى الخارج، وهي بطبيعتها لا تتاح إلا لأعداد محدودة من الطلبة؟ متى نرى نموذجنا الوطني برعاية وزارة التعليم، ومجلس شؤون الجامعات، والذي ينظم كل عام في منطقة من مناطق المملكة ويتحول مع الوقت إلى ملتقى عالمي يتوافد عليه الطلاب من مختلف دول العالم؟ فكما أن الدوريات الرياضية تنعش المدن، وتحرك الجماهير، وتصنع ذاكرة اجتماعية مشتركة، فإن هذا المعرض الوطني المتنقل قادر على إنعاش المدن معرفيًا وثقافيًا. تخيلوا معرضًا وطنيًا للابتكار الطلابي، ينتقل كل عام إلى جامعة في مدينة مختلفة؛ مرة في جدة، ومرة في الرياض، ومرة في أبها، ومرة في تبوك، ومرة في الأحساء، ومرة في حائل أو جازان أو المدينة المنورة. حيث لا يذهب الطلبة لعرض ابتكاراتهم ومشاريعهم فقط، بل لزيارة جامعة أخرى، والتعرف على مدينة جديدة، والاحتكاك بطلبة من مناطق مختلفة، واكتشاف تنوع المملكة الممتد في لهجاتها، وثقافاتها، وبيئاتها، وقصصها التاريخية. فلكل منطقة في المملكة روحها، وكرمها، وتاريخها، وطريقة أهلها في استقبال الضيف.
هؤلاء المتميزون الموهوبون والذين نفخر بهم في كل محفل علمي، لابد من تبني دراسات تتبع انجازاتهم اللاحقة وتبين أين وصلوا في حياتهم العلمية والمهنية بعد التخرج؟ هل واصلوا في مجال البحث والإبداع والابتكار أم أن وهج التجربة قد اضمحل وتوجهوا للوظائف التقليدية المعتادة؟ كيف يمكن دعمهم لمواصلة إبداعاتهم مستقبلاً، في البحث والتدريب، أو ريادة الأعمال، أو الشراكات؟
أخيراً.. في سيؤل تعلمت أن الطالب السعودي قادر على إبهار العالم، وربما حان الوقت لنبني داخل وطننا فرصًا أوسع، تصل إلى عدد أكبر من طلابنا وطالباتنا، وتمنح مواهبهم طريقًا لا يتوقف عند ميدالية أو صورة تكريم، بل يمتد إلى بحث، وابتكار، وأثر يبقى.