عبد العزيز الموسى
بعد انتهاء موسم الحج، لا يقف النجاح عند حدود الإشادة بما تحقق، بل يبدأ السؤال الأهم: كيف يمكن تطوير هذه التجربة عامًا بعد عام؟ وكيف يستطيع الفكر الفقهي أن يواكب التحولات العميقة التي يشهدها الحج بوصفه أكبر تجمع بشري دوري في العالم؟
لقد أصبح الحج المعاصر مختلفًا جذريًا عن الصورة التي عرفتها الأجيال السابقة. فبينما تشكلت أجزاء واسعة من المدونة الفقهية المتعلقة بالمناسك في عصور كانت تتحرك فيها أعداد محدودة من الحجاج ضمن بيئات عمرانية بسيطة ووسائل تنقل متواضعة، أصبح الحج اليوم منظومة إنسانية عالمية تتعامل مع ملايين البشر، وتدار عبر شبكات نقل متقدمة، ومنشآت ضخمة متعددة المستويات، وأنظمة تفويج دقيقة، وتقنيات متطورة لإدارة الحشود والخدمات والمخاطر.
هذا التحول لا يمس ثوابت الشعيرة ولا أحكامها القطعية، لكنه يفرض بالضرورة أسئلة جديدة حول كيفية تنزيل بعض الاجتهادات الفقهية على واقع مختلف تمامًا في ظروفه ومعطياته. ومن هنا تكتسب المداخلة التي قدمها أستاذ الفقه الإسلامي وعضو هيئة كبار العلماء الدكتور سعد الشثري في ندوة الحج الكبرى أهمية تتجاوز حدود مسألة فقهية جزئية، لأنها تفتح بابًا أوسع يتعلق بمستقبل فقه الحج نفسه.
فالدعوة إلى مراجعة بعض الاجتهادات المتعلقة بتخصيص مواضع معينة للدعاء أو الوقوف أو الحركة أثناء المناسك ليست دعوة إلى تجاوز التراث، وإنما إلى إعادة النظر في بعض التطبيقات التي نشأت في سياقات تاريخية مختلفة، حين كانت الأعداد محدودة والحركة أكثر بساطة والمساحات أقل ازدحامًا. ذلك أن جزءًا من التحديات التي تواجه إدارة الحج اليوم لا يرتبط بأصل العبادة، بل بطريقة تعامل الناس مع بعض الصور والهيئات التي اكتسبت مع الزمن ما يشبه القداسة الاجتماعية، رغم أنها لا تحتل المرتبة نفسها من حيث الثبوت أو الإلزام الشرعي.
وهنا تبرز إحدى أهم القضايا في فقه الحج المعاصر: التمييز بين قداسة الشعيرة وقداسة التفاصيل. فالشريعة لم تجعل المقصود من الحج الوقوف في موضع بعينه داخل مساحة واسعة أو الوصول إلى نقطة محددة وسط حشود هائلة، وإنما جعلت المقصود تحقيق معاني التعبد والخضوع والذكر والنسك. أما الوسائل والصور التي تحقق هذه المقاصد فقد ظلت عبر التاريخ مجالًا واسعًا للاجتهاد والنظر.
ولهذا لم يكن غريبًا أن يرتبط فقه المناسك في السنة النبوية بمبدأ التيسير ورفع الحرج. فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يجيب السائلين يوم الحج الأكبر بقوله: «افعل ولا حرج»، حتى تحولت هذه العبارة إلى قاعدة تأسيسية في فهم طبيعة المناسك نفسها. كما عبَّر سفيان الثوري عن المعنى ذاته بقوله: «إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة، فأما التشديد فيحسنه كل أحد». فالعبرة ليست بزيادة المشقة، وإنما بتحقيق المقصود الشرعي بأفضل صورة ممكنة.
ولم يكن علماء الإسلام ينظرون إلى اجتهاداتهم بوصفها أحكامًا معزولة عن الواقع. فقد أدركوا منذ وقت مبكر أن تغير الظروف يقتضي أحيانًا تغير الاجتهادات المبنية عليها. ولعل تجربة الإمام الشافعي في انتقاله من العراق إلى مصر وما ترتب عليها من مراجعة عدد من آرائه الفقهية تمثل نموذجًا واضحًا على ذلك. كما أن قول الإمام القرافي: «الجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين» يعكس إدراكًا عميقًا بأن التراث ليس مجموعة نتائج جامدة، بل منهج متجدد في النظر والاستنباط.
ومن هنا فإن القضية ليست في الاختيار بين التراث والتجديد، بل في فهم التراث بوصفه مدرسة في الاجتهاد لا مجرد مخزن للأجوبة الجاهزة. فالفقه الإسلامي يمتلك في داخله أدوات واسعة للتعامل مع الوقائع المتغيرة، من مراعاة المصالح والمآلات إلى تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والأحوال، وهي الأدوات نفسها التي مكّنت الفقه من الاستمرار قرونًا طويلة دون أن يفقد أصالته.
غير أن ما يميز الحج عن كثير من القضايا الأخرى هو أن أثر الاجتهاد فيه لم يعد مقتصرًا على الفرد، بل أصبح متعلقًا بإدارة حركة ملايين البشر في مساحة محدودة خلال زمن محدد. وهنا ينتقل النقاش من دائرة الفقه الفردي إلى دائرة أوسع يمكن تسميتها بفقه الحشود أو فقه المقاصد الجماعية، حيث تصبح سلامة الناس وأمنهم وانسيابية حركتهم جزءًا من النظر الفقهي ذاته، لا مجرد اعتبارات إدارية منفصلة عنه.
ولهذا فإن كثيرًا من التنظيمات الحديثة المتعلقة بالتفويج وإدارة الحركة وتوزيع الحشود ليست إجراءات تقنية بحتة، بل تمثِّل في جوهرها تطبيقات عملية لمقاصد الشريعة في حفظ النفس ورفع الضرر وتحقيق المصلحة العامة. فحين تتحرك الملايين داخل المشاعر المقدسة، يصبح حفظ النفس مقصدًا حاضرًا في كل قرار تنظيمي، ويصبح التيسير المنضبط جزءًا من تعظيم الشعيرة نفسها لا نقيضًا لها.
وفي هذا السياق تبرز التجربة السعودية بوصفها واحدة من أهم التجارب المعاصرة الجديرة بالدراسة الفقهية والمؤسسية. فالمملكة لم تعد مجرد الجهة التي تستضيف الحج وتدير مواسمه، بل أصبحت بحكم الخبرة المتراكمة والممارسة الميدانية الطويلة مركزًا عالميًا لإنتاج المعرفة المتعلقة بإدارة الحشود الدينية وتطوير الحلول التنظيمية والتقنية المرتبطة بها. وقد أفرزت التوسعات الكبرى للحرمين الشريفين، وأنظمة النقل الحديثة، والتحول الرقمي، ومنظومات التفويج وإدارة الحشود، أسئلة فقهية جديدة لم تكن مطروحة بالصورة نفسها على الأجيال السابقة.
ولا يمكن فصل هذه التحولات عن الإطار الأوسع الذي تعمل من خلاله المملكة في ظل رؤية السعودية 2030، ولا سيما برنامج خدمة ضيوف الرحمن الذي نقل التعامل مع الحج والعمرة من مفهوم الخدمة الموسمية إلى مفهوم التجربة المتكاملة. فالرؤية لا تستهدف فقط زيادة الطاقة الاستيعابية وتحسين الخدمات، بل تسعى إلى بناء منظومة متكاملة توظف التقنية والإدارة والمعرفة لخدمة الحاج والمعتمر. ومن هذا المنظور لا يبدو تطوير الاجتهاد الفقهي أمرًا منفصلًا عن مشروع التطوير المؤسسي، بل جزءًا طبيعيًا منه، لأن نجاح التجربة لا يقوم على البنية التحتية وحدها، وإنما على التكامل بين الفقه والتنظيم والإدارة والتقنية.
وتزداد أهمية هذا النقاش في ضوء ما أعلنه معالي وزير الحج والعمرة الدكتور توفيق الربيعة من بدء الاستعداد المبكر لموسم حج 1448هـ، ودعوته إلى تقديم المقترحات والأفكار التطويرية. فمثل هذه الدعوة لا ينبغي أن تقتصر على الجوانب التشغيلية والتنظيمية، بل يمكن أن تمتد أيضًا إلى القضايا الفقهية المرتبطة بإدارة المناسك في عصر الحشود المليونية، وإلى كيفية توظيف الثروة الاجتهادية التي يزخر بها التراث الإسلامي لخدمة المقاصد الشرعية في واقع متغير.
ومن هذا المنطلق يمكن فهم ما طرحه الدكتور سعد الشثري بوصفه مساهمة في نقاش أكبر من مجرد مسألة فقهية جزئية؛ نقاش يتعلق بقدرة الفقه الإسلامي على مواكبة التحولات الكبرى دون أن يفقد أصوله، وعلى المحافظة على ثوابت الشعائر مع تطوير وسائل إدارتها وتنزيلها على الواقع.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في المحافظة على الفقه القديم أو تجاوزه، بل في المحافظة على المنهج الذي أنتجه؛ منهج الاجتهاد القائم على فهم النصوص في ضوء مقاصدها، وربط الأحكام بعللها، والنظر في مآلاتها، وتحقيق مصالح الناس. فالأمم لا تتقدم بتكرار إجابات الماضي، وإنما بإحياء القدرة التي مكّنت أسلافها من إنتاج تلك الإجابات لعصرهم.
ولعل أعظم ما يمكن أن يقدمه جيلنا للحج ليس فقط مزيدًا من الجسور والقطارات والمنشآت، على أهميتها، بل أيضًا مزيدًا من الاجتهاد الرشيد الذي يربط النص بالمقصد، والعبادة بالإنسان، والثابت بالمتغير. فالحج كما كان دائمًا مدرسة للوحدة الإيمانية، يمكن أن يكون أيضًا نموذجًا لقدرة الفقه الإسلامي على التجدد دون أن يفقد أصالته، وعلى مواكبة العصر دون أن يتخلى عن جذوره.
إلى اللقاء
** **
- عضو التوجيه والإرشاد بالحرمين الشريفين