عبدالوهاب الفايز
قبل أسبوعين أعلن المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية عن توجه لطرح حزمةً من المشاريع تدعم السياحة البيئية وتفتح أبواب الاستثمار في مرافق الحياة الفطرية، تشمل وجهات سفاري في محافظتي الطائف وثادق، ومناطق لمراقبة الطيور في محمية جزر فرسان ومواقع أخرى. وتأتي هذه المشاريع، كما جاء في الخبر، «ضمن جهود المركز لتطوير وجهات سياحية مستدامة تُبرز ثراء التنوع الأحيائي في المملكة، وتعزز الاستثمار المستدام في الموارد الطبيعية، وتنشر الوعي البيئي، وتقدم المملكة كوجهة عالمية للسياحة القائمة على الحياة الفطرية والتنوع الأحيائي.»
وربما القارئ العَجِل قد يقرأ الخبر - كما فعلت - بوصفه إضافةً سياحيةً جديدة إلى قائمةٍ طويلة من مبادرات رؤية السعودية 2030؛ غير أنّ القراءة المتأنّية تكشف أنّ ما يُطرح هنا أعمق وأبعد من مشروع سياحي، أو ترفيهي: إنه طرح لنموذج تنموي يربط بين صون الطبيعة وعوائدها، ويتماشى مع حقيقة أنّ حماية الكائنات الحيّة لا تدوم ما لم تتحول برامج التنمية والحماية إلى مصلحة تدعم الإنسان في معيشته.
الدرس الأول الذي راكمته تجارب الحياة الفطرية حول العالم تؤكد أنّ المنع وحده لا يحمي. حين تُحاط الطبيعة بسياجٍ من القوانين والغرامات وحرس الأمن البيئي، دون أن يجد المجتمع المحيط بها مصلحةً في بقائها، فإنّ الكائن الفطري يظلّ في نظر الناس منافساً على المرعى والماء، أو غنيمةً تُقتنص، أو عبئاً يُتخلَّص منه. أما حين تتحوّل الحياة الفطرية إلى مصدر دخلٍ ووظيفةٍ وفخرٍ محلي، فإنّ المعادلة تنقلب رأساً على عقب: من كان يُهدِر الثروة الحيوانية يصبح حارسها، وأيضا الجمهور الذي كان يَستنزف الطبيعة يصبح مُستمتعاً بها ومستثمراً فيها.
هذه هي معادلة «الأثر المزدوج» التي يقوم عليها نجاح أي مشروع بيئي: أثرٌ ماليٌّ مستدام يخلق فرص العمل والاستثمار في المجتمعات المحلية، ويحقق الأثر الاجتماعي المستدام ويعيد تشكيل وعي الناس بعلاقتهم بالطبيعة. والأثران متلازمان لا ينفصلان؛ فالعائد المالي بلا وعيٍ اجتماعي ينضب، والوعي بلا عوائد مالية يقتات منها الناس يبقى شعاراً معلّقاً. وهنا تحديداً تكمن أهمية ما أعلنه المركز حين أسّس تصميم مشاريعه على مفهوم السياحة منخفضة الأثر، (أي التي تحقق الأهداف الاستثمارية دون الإخلال بالطبيعه)، فالجمهور يتم استقطابه وإدارة حضوره عبر وضع مساراتٌ ومنتجات منظّمة تحول التجربة الى قيمة بيئية وتعليمية وتوعوية واقتصادية.
وكفاءة الإدارة الحكومية وصنع السياسات في منظومة الحياة الفطرية هي التي هيأت الظروف لاستثمار التفاعل والاهتمام الاجتماعيين.
الناس تتطلع إلى تنمية المشاريع والمبادرات البيئية وهذا ضروري، فإستثمار تفاعل الناس هو المسار الاستراتيجي لاستدامة وتطور مشاريع الحماية وتقليل تكلفة تنميتها. وفي ادبيات علم وتجارب البيئة المنشورة هناك شهادات من تجارب نجحت وجرّبتها دول سبقتنا، وأثبتت أنّ تحويل الجمهور من (مُدمِّر) إلى (شريك) يستثمر ويربح من الحياة الفطرية.
مثلا في ناميبيا، كانت الحياة الفطرية في أراضي مجتمعات قد تهاوت تحت وطأة الصيد الجائر والجفاف حتى ثمانينيات القرن الماضي. ثم جاء التحوّل الجذري: منحت الدولة المجتمعات المحلية حقّ إدارة مواردها الطبيعية والانتفاع بها عبر ما يعرف بـ(المحميات المجتمعية).
كذلك أعادت تأهيل الصيادين أنفسهم ليصيروا حُرّاساً للطرائد. والنتيجة أنّ نحو سبعٍ وثمانين محميةً باتت تغطّي قرابة خُمس مساحة البلاد، وتضاعفت أعداد الأفيال أكثر من ثلاث مرات، وتعافى وحيد القرن الأسود والأسد الصحراوي بعد أن كانا على حافة الانقراض. ومن مكاسب التجربة: اكتشف الناس أنّ الحيوان حيّاً أنفع لهم منه مقتولاً، فتغيّرت النظرة، وتغيّر السلوك تبعاً لها.
وفي رواندا، تحوّلت الغوريلا الجبلية من فريسةٍ مهدّدة إلى (منتج) أضاف لازدهار الاقتصاد السياحي. اعتمدت الدولة نموذجاً صارماً منخفض الأثر - أعدادٌ محدودة من الزوار، ومددٌ قصيرة للمشاهدة - مع سياسة اقتسامٍ للعوائد تُوجِّه عُشر دخل السياحة مباشرةً إلى المجتمعات المجاورة، فمُوِّلت به المدارس والمراكز الصحية ومشاريع المياه. وهكذا رأى الأهالي رابطاً ملموساً بين سلامة الغابة وتحسّن حياتهم، فتحوّل كثيرٌ من الصيادين السابقين إلى متعقّبين ومرشدين وحُماة، وصارت الغوريلا التي كانوا يطاردونها مصدر رزقهم وموضع اعتزازهم.
وفي كوستاريكا، التي كانت من بين أعلى دول العالم في معدلات إزالة الغابات، انعكس المسار تماماً: ارتفع غطاؤها المتدهور من نحو واحدٍ وعشرين بالمئة في ثمانينيات القرن الماضي إلى أكثر من نصف مساحتها اليوم. هذا التطور نجح بعد تفعيل منظومةٍ تجمع بين المناطق المحمية و(مدفوعات خدمات النظام البيئي) التي تكافئ من يحمي الغابة. أيضا تم تطوير السياحة البيئية التي صارت رافداً رئيساً للاقتصاد الوطني. الدرس واحدٌ في الحالات الثلاث: حين تُرسَّخ (القيمة الاقتصادية للطبيعة) في صلب السياسات الحكومية، يتحوّل الإنسان من خصمٍ لها إلى وكيلٍ عنها. وهذا الذي نحتاجة وهو تقريبا ما تتوجه إلية بلادنا.
ما أعلنه المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية قبل أسبوعين هو التوجه الضروري لجذب استثماراتٍ حقيقية، سواء حكومية من الصناديق السيادية التنموية، او من استثمارات القطاع الخاص، أوحتى من الاستثمارات الخيرية والوقفية التي تتجة لبناء نماذج (الاستثمار الاجتماعي).
ومكمن القوة في النموذج السعودي استناده إلى قصص النجاح التي حققناها في السنوات الخمس الماضية بالذات في منظومة الحياة الفطرية.
الحكومة عملت على تهيئة البنية التحتية، فقد تم وضع الإطار التنظيمي الواضح، وانتهت الدراسات والأبحاث التي وضعت الأساس العلمي لبرامج التنمية والحماية والإكثار؛ والاهم طورت برامج رحلة العملاء، وبرامج التوعية العلمية لتكريس ثقافة الوعي الاجتماعي، وحصلت البرامج على تقييمات دولية وحازت على جوائز منظمات الأمم المتحده. وكذلك - وهذا مهم - نجحت المشاريع والمحميات الطبيعية، وبرامج الإكثار بدعم الناس لهذا التحول، وكانت مصدر سعادة وفرح للجيل الذي عاش سنوات الصفاء والود مع الطبيعة والحيوان والطير. إنه (عودة الشعور الطبيعي) القديم المدفون في الوعي الاجتماعي. والاجمل ان فرحتنا بعودة النبات والحيوان تتطور الى رغبة للمشاركة في الجهود، ودعم معنوي متنامي لمنظومة البيئة.
هذا الشعور الايجابي هو الذي يشجع المسؤولين في قيادة البيئة والحياة الفطرية إلى الانتقال لحقبة ادارة العرض والطلب في السوق. وهذا الذي تحتاجه التجربة السعودية، أي الانتقال الى مفاهيم واليات الاستثمار. في بعض القطاعات الوليدة، الحكومات تبادر الى تحريك الطلب على الاستثمار لخلق وتوفير العرض. من بين الأمثلة الحية والعديدة ونرى نجاحه هو استثمارات الحكومة في قطاع المنتجعات والإيواء في البحر الاحمر. وهذا الذي نحتاجه في قطاع الحياة الفطرية.
الحكومة أمامها فرصة الاستثمار عبر صناديق التنمية السيادية، او عبر تحفيز ودعم الاستثمارات الخاصة، او حتى تشجيع الاستثمارات الوقفية والاجتماعية، وهذه الأخيرة تلتقي كثيرا مع مستهدفات الاستراتيجية البيئية.
الاستثمار في منظومة البيئة يجب أن يتجه في المرحلة الأولى الى تكريس الأثر الإنساني والاجتماعي ثم تحقيق هوامش الأرباح التي تضمن استدامة الاثر. نحتاج الاستثمارات التي تخلق الوظائف، وتطوّر النُّزُل البيئية، وتنمي استثمارات ريادة الاعمال.
أتمنى شخصيا - واجزم أن هناك من يشاركني - التركيز على استقطاب أموال الاوقاف، فهذه فيها وفرة، والحمدلله، وهي في تراثنا أداةٌ حضاريةٌ راسخة لتمويل المنافع العامة، وهي الأقدر على احتضان المشاريع البيئية ذات العائد البطيء والأثر الممتدّ عبر الأجيال. إذا نجحنا في بناء رأس المال الحكومي والخاص والوقفي حول المشاريع البيئية، فإنّ المشروعات سوف تكتسب متانةً مالية ومشروعيةً اجتماعية يصعب أن يبلغها بأحد هذه الروافد منفرداً.
طبعا يبقى أمامنا السؤال الأهم: متى تكون هذه المشاريع ناجحة؟ النجاح الأولي نحتاجه في بناء (نموذج العمل)، وفي بناء الشركات الأساسية مع أصحاب المصلحة في هذا التوجه التنموي. نحتاج استثماراتٌ حكوميةٌ وخاصةٌ ووقفيةٌ تتدفّق إلى هذه الوجهات البيئية، ونحتاج مجتمعاتٌ محليةٌ تشارك في المنتجات والخدمات وتجني منها رزقها، والاهم استمرار بناء الوعي البيئي حتى يصبح الكائن الفطري في وجدان الناس قيمةً تُصان وتحترم.
فإن تحقّق ذلك، كان مؤشّر نجاحٍ مزدوج: نجاحٌ لمنظومة البيئة التي أثبتت أنّ بمقدورها أن تحوّل المواقع ذات القيمة البيئية إلى رافد نوعيٍّ للاقتصاد المستدام، ونجاحٌ لمجتمعٍ سعوديٍ برهن مرةً أخرى أنّه يجمع بين حُبّ الطبيعة وتقديرها وبين الوفاء لتعاليم دينه الداعية إلى الرحمة والحماية. وعندها فقط نستطيع أن نقول إنّ المواطن المُهدِر صار شريكاً، وإنّ الحياة الفطرية لم تَعُد ثروةً نخشى عليها، بل ثروةً نعيش بها ومنها. وهذا هو السلوك الحضاري الذي نعتز به.