وائل العتيبي - الرياض:
حين نشر معالي المستشار تركي آل الشيخ، رئيس الهيئة العامة للترفيه، صورة جمعته بأسطورة التصوير الأمريكي نيل ليفر، وأرفقها بعبارة مكثفة باللغتين العربية والإنجليزية قال فيها: «نيل ليفر.. الاسم الذي ارتبط بأشهر الصور وأكثر اللحظات حماساً في تاريخ الملاكمة.. أسطورة حقيقية في عالم التصوير»، بدت الكلمات للوهلة الأولى تحيةً لرجل صنع مجده خلف العدسة، لكنها في حقيقتها كانت تختزل سيرة استثنائية لرجل لم يكتفِ بتوثيق التاريخ، بل أسهم في صناعته.
ففي الوقت الذي كان الملاكمون يصنعون أمجادهم داخل الحلبة، كان نيل ليفر يصنع خلودها خارجها. وبينما كانت الجماهير تتابع الضربات والانتصارات وأحزمة البطولات، كان هو يطارد لحظة مختلفة؛ لحظة تتجاوز حدود الرياضة لتصبح جزءاً من الذاكرة الإنسانية.
ولهذا، كلما استُعيدت أعظم لحظات الملاكمة في القرن العشرين، حضر اسم نيل ليفر بالقدر نفسه الذي تحضر به أسماء الأبطال الذين التقط صورهم. فبعض الرياضيين صنعوا التاريخ، أما هو فصنع الصورة التي أنقذت ذلك التاريخ من النسيان.
بدأت الحكاية مبكراً. ففي السادسة عشرة من عمره، التقط ليفر لقطة هدف الفوز في المباراة التي عُرفت لاحقاً بأنها واحدة من أعظم مباريات كرة القدم الأمريكية في التاريخ. ولم يكن يدرك آنذاك أن تلك اللقطة ستكون فاتحة رحلة استثنائية امتدت لأكثر من ستة عقود، تنقّل خلالها بين الملاعب الأولمبية، وبطولات كأس العالم، وأروقة البيت الأبيض، وكبرى الأحداث السياسية والثقافية التي شكّلت ملامح العصر الحديث.
غير أن ما جعل نيل ليفر حالة استثنائية لم يكن عدد الأحداث التي غطاها، بل الطريقة التي رآها بها. فقد تعامل مع الصورة بوصفها عملاً فنياً متكاملاً لا مجرد وثيقة صحفية. كان يرى ما لا يراه الآخرون، ويبحث عن زوايا لم تخطر على بال أحد. زرع الكاميرات في أماكن بدت مستحيلة، وصعد إلى مواقع لم يجرؤ كثيرون على الاقتراب منها، وابتكر أساليب تصوير سبقت عصرها، حتى أصبحت لاحقاً جزءاً من القواعد الأساسية للتصوير الرياضي الحديث. لقد كان يسبق زمنه بخطوات، وكأنه يرى المستقبل من خلال عدسته.
ومع ذلك، فإن اسمه سيبقى مرتبطاً إلى الأبد بصورة واحدة تحولت إلى أيقونة عالمية. صورة الملاكم الأسطوري محمد علي وهو يقف فوق خصمه سوني ليستون بعد إسقاطه أرضاً عام 1965. لم تكن مجرد لقطة لنزال ملاكمة، بل مشهداً درامياً مكتملاً اختزل القوة والتحدي والثقة والهيبة في إطار واحد. صورة تجاوزت حدود الرياضة لتصبح واحدة من أشهر الصور في تاريخ البشرية.
والمفارقة أن ملايين البشر حول العالم يعرفون تلك الصورة حتى وإن لم يشاهدوا النزال نفسه. هنا تحديداً تتجلى عبقرية نيل ليفر. فهو لم يكن يصور ما يحدث فحسب، بل كان يلتقط المعنى الكامن خلف ما يحدث. كان يبحث عن اللحظة التي تتحول فيها الرياضة إلى قصة إنسانية مكتملة، وعن الثانية التي يصبح فيها المشهد أكبر من نتيجته، وأبقى من زمنه.
ولهذا لم تبقَ أعماله مرتبطة بالمباريات أو البطولات التي وُلدت فيها. فمع مرور السنوات تحولت صوره إلى رموز ثقافية مستقلة بذاتها، وإلى جزء من الذاكرة البصرية للعالم. ففي حين يخفت أثر معظم الصور الصحفية بانتهاء الخبر الذي صُنعت من أجله، استطاعت صور نيل ليفر أن تتجاوز الزمن، وأن تبقى حاضرة في الوعي الإنساني جيلاً بعد جيل.
ولعل ذلك ما يفسر المكانة الاستثنائية التي حظي بها طوال مسيرته المهنية، إذ نشرت له مجلة «سبورتس إليستريتد» نحو 170 غلافاً، وهو رقم يكشف حجم تأثيره في تاريخ الصحافة الرياضية العالمية. فالرجل لم يكن مجرد مصور ناجح، بل تحول إلى مدرسة قائمة بذاتها في كيفية تحويل اللحظة العابرة إلى أثر دائم.
ومع صعود الاقتصاد الإبداعي واتساع قيمة المحتوى البصري، لم تعد أعمال نيل ليفر مجرد أرشيف فوتوغرافي. لقد تحولت إلى ثروة ثقافية عالمية. فالصورة اليوم لا تُقاس قيمتها بجمالها فقط، بل بقدرتها على رواية التاريخ وصناعة المعنى وإعادة إنتاج الحكاية عبر الأجيال. وهذا ما جعل إرث ليفر واحداً من أكثر الأرصدة البصرية قيمة وتأثيراً في العالم. وربما تكمن أهمية تجربته في الدرس الذي تتركه خلفها. ففي زمن تتنافس فيه الدول والمؤسسات والرياضات على صناعة صورتها أمام العالم، أثبت نيل ليفر أن الحدث العظيم وحده لا يكفي. فالعالم لا يتذكر دائماً ما حدث، لكنه يتذكر كيف رآه. وقد أدرك هذه الحقيقة مبكراً، فكرّس حياته كلها للبحث عن تلك اللحظة النادرة التي تتوقف فيها عقارب الزمن داخل إطار صورة.
لهذا لم يصبح نيل ليفر أشهر مصور ملاكمة في التاريخ فحسب، بل أصبح واحداً من أهم حراس الذاكرة البصرية للقرن العشرين. لم يكن يصوّر الملاكمة فحسب، بل كان يمنحها حياة أخرى بعد انتهاء النزال؛ حياة لا تُقاس بالثواني التي جرت داخل الحلبة، بل بالسنوات الطويلة التي بقيت فيها تلك اللحظات حيّة في ذاكرة العالم. رجل حمل كاميرا، لكنه في الحقيقة كان يحمل شيئاً أكبر بكثير: القدرة على منح اللحظة عمراً أطول من أصحابها، وتحويل المجد إلى صورة، والصورة إلى خلود.