أبوبكر إبراهيم محجوب
حين يُعلَن عام كامل باسم «الذكاء الاصطناعي»، فالمسألة لا تتعلق فقط بتقنية تتقدم. نحن أمام لحظة يتغير فيها معنى الجاهزية نفسه، وتتبدل معها طريقة النظر إلى القيمة، والعمل، وحدود ما يكفي اليوم، وما لم يعديكفي.
غير أن التحدي الحقيقي في هذه اللحظة ليس أن نتأخر عن الذكاء الاصطناعي، بل أن نطمئن سريعًا إلى أننا فهمناه بشكل كامل. فالدولة لم تكتفِ بإعلان العام، بل مهّدت في السنوات الماضية لهذا التحول عبر مؤسسات وطنية مختصة، وإستراتيجيات واضحة للبيانات والذكاء الاصطناعي، وربط هذا المسار بأهداف رؤية 2030، إلى جانب الاستثمارات الضخمة في بناء القدرات والاقتصاد الرقمي الوطني. لذلك لم تعد القضية في توفر البيئة، بل في قدرتنا على الارتقاء إلى مستواها.
المقلق في كثير من المؤسسات اليوم ليس الغياب عن الذكاء الاصطناعي، بل اختزاله. أن نربط الجاهزية بامتلاك الأدوات، أو كثرة الحديث عنها، أو إدخالها المتعجّل في تفاصيل العمل اليومي.
والحقيقة أن كل ذلك قد يصنع مظهرًا حديثًا، لكنه لا يصنع بالضرورة تحولًا حقيقيًا أو مستدامًا. فالمؤسسة لا تصبح أكثر استعدادًا لمجرد أنها تستخدم أدوات أذكى، بل حين تعرف أين توظفها، ولماذا، وما القرار الذي تريد تحسينه بها، وما القيمة التي تنتظرها منها.
فليس كل تبنٍّ نضجًا، وليس كل انتشار أثرًا. قد تدخل أدوات الذكاء الاصطناعي إلى المؤسسة، لكن تبقى أولوياتها مضطربة، وأسئلتها غير ناضجة، وقراراتها مشغولة بالسرعة قبل أن تحسم الغاية. عندها، لا تتحوّل التقنية إلى نقلة نوعية، بل إلى غطاء جديد لارتباك قديم.
والذكاء الاصطناعي، في جوهره، لا يعالج الضعف المؤسسي تلقائيًا، لكنه يكشفه سريعًا. هو لا يصنع وضوحًا من فراغ، ولا يمنح معنى لمن لم يحسم غايته، ولا يعوض قصور الحكم البشري إذا كان السؤال مرتبكًا من الأصل. هو يوسّع فقط ما نُدْخِله إليه، فإن أدخلنا إليه وضوحًا، ضاعفه. وإن أدخلنا إليه فوضى، سرّعها.
التحدي في عام الذكاء الاصطناعي لا يتوقف عند إتقان استخدامه فقط، بل في امتلاك النضج الكافي لضبط حدوده، وتحديد موضعه، وحسم ما الذي ينبغي أن يبقى بيد الإنسان (مثل الحكم، والمسؤولية، وترجيح ما لا تحسمه الخوارزميات وحدها)، وما الذي يمكن تفويضه، وما الذي يحتاج إلى مراجعة ومعيار ومساءلة.
فالقضية لم تعد في دخول التقنية إلى العمل، بل في نوع العقل المؤسسي الذي يستقبلها، هل يوظفها ضمن غاية واضحة، أم يتركها تعيد تشكيل القرار من دون وعي كافٍ بعواقب ذلك؟
في عام الذكاء الاصطناعي، لا يكفي أن نلحق بالتقنية. الأهم أن نسبقها بوضوح الغاية، ونحكمها بالمعايير والأخلاقيات، ونستقبلها بعقل مؤسسي يعرف أن تسريع العمل ليس هو تحسينه بالضرورة، وأن وفرة المخرجات لا تعني تلقائيًا جودة الأثر. وإلا فلن نفعل أكثر من نمنح ممارساتنا القديمة هيئة تبدو فقط «ذكية صناعيًا».