د. إبراهيم بن جلال فضلون
عندما يسقط الناطق الأخير بلغة ما، نرى تعرية إستراتيجية للمنظومات السياسية والاقتصادية التي تقود ما يمكن تسميته بـ «التجريف الثقافي المنظم». وكأننا أمام قراءة تفكيكية لآليات «السلطة» التي تستخدم اللغة كأداة للهيمنة وإعادة صياغة الوعي الجمعي العالمي. وكما قال مارتن هايدغر: «اللغة بيت الوجود، وفي مسكنها يقيم الإنسان». وكأن فرانسيس فوكوياما وافقه في قوله: «إن الدولة التي تفقد السيطرة على لسانها، تتنازل طواعية عن سيادتها السياسية والاقتصادية؛ فالجغرافيا واللغة وجهان لعملة نفوذ واحدة». فليست اللغة مجرد وسيلة للتواصل بين البشر، بل هي الوعاء الذي تحفظ فيه الأمم ذاكرتها الجمعية، والمستودع الذي تودع فيه خبراتها التاريخية، ورؤيتها للعالم، وطريقتها الخاصة في فهم الزمن والطبيعة والوجود. ولذلك فإن موت لغة لا يعني اختفاء مجموعة من الكلمات أو التراكيب النحوية فحسب، بل يعني انهيار عالم كامل من المعارف والقيم والتجارب الإنسانية التي تراكمت عبر قرون طويلة.
اللُغة إبادة صامتة: وتعيش الجغرافيا السياسية المعاصرة في عام 2026 تحولاً صامتاً لا تقل خطورته عن النزاعات العسكرية أو الحروب الاقتصادية؛ إنه تحول «التجريف اللساني الممنهج»، فاللغة هي الحصن الإستراتيجي للهوية، والمستودع المعرفي الذي تدير فيه المجتمعات صراعها من أجل البقاء، فعندما تفقد الذاكرة البشرية لغة كاملة كل أسبوعين وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة الحديثة، فإن المأساة لا تكمن في غياب بضعة آلاف من المفردات، بل في انهيار زاوية فريدة كان ينظر منها العقل البشري إلى هذا الوجود.. ليُصبح موت اللغات اليوم إحدى القضايا الإستراتيجية الكبرى التي تتجاوز نطاق الدراسات اللسانية، لتلامس ملفات الأمن الثقافي، والسيادة الوطنية، والتنمية المستدامة، والتغير المناخي، والصراعات الجيوسياسية، وإعادة تشكيل النظام العالمي في القرن 21، لنقف أمام «إبادة جماعية لغوية» صامتة تعيد تشكيل وعي الكوكب ليتناسب مع مصالح القوى المهيمنة تكنولوجياً واقتصادياً.
صراع الألسن.. فتاريخ اللغات هو تاريخ موازٍ لصعود الإمبراطوريات وسقوطها، فاللغة لا تموت لأنها قاصرة بنيوياً، بل لأن القوة المادية التي كانت تحميها قد تلاشت. ولنرى اللغات المندثرة وأسباب سقوطها تاريخياً، حيثُ تنوعت أسباب اندثار اللغات القديمة الكبرى بين الاستئصال العسكري، والتثاقف القسري، والتحول الاقتصادي، إذ تُشير التقديرات إلى أن القرن الحالي قد يشهد اختفاء نصف اللغات البشرية إذا استمرت الاتجاهات الحالية دون تدخلات فعالة:
اللاتينية: لم تمت اللاتينية، بل تفتتت بسقوط الإمبراطورية الرومانية سياسياً وعسكرياً، وتحللت إلى لغات إقليمية (الفرنسية، الإيطالية، الإسبانية) لتلبية الاحتياجات المحلية للمجتمعات الجديدة خارج سلطة روما.
القبطية والمصرية القديمة: تراجعتا تاريخياً أمام المد الحضاري والسياسي للغة العربية، حيث تحول اللسان طواعية وبفعل الاندماج الإداري والديني إلى اللغة الأقوى القادرة على توفير الحراك الطبقي والاقتصادي.
اللادينو واليديشية: تعرضتا لعمليات تصفية جيوسياسية وجغرافية، عبر التهجير والمجازر، لتتحول اليوم في مدن مثل سالونيكي إلى مجرد أطلال لغوية يتحدث بها أفراد لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة.
عاصفة ثقافية عالمية وأرقام صامتة: تشير التقديرات الدولية إلى أن العالم يضم حالياً ما يقارب 7000 لغة حية، منها أكثر من 40 إلى 60 %، مهددة بالانقراض خلال العقود المقبلة. أي ما يقرب من 10 % من لغات العالم لا يتحدث بها سوى أقل من عشرة أشخاص، بمعني أن لغة واحدة تختفي تقريباً كل أسبوعين، وهذا يُشير إلى خسارة بشرية هائلة في رأس المال المعرفي غير المادي، فعندما تختفي لغة ما، تختفي معها آلاف القصص والأساطير والمعارف البيئية والعلاجية والتاريخية التي لم تُدوَّن في الكتب، وإنما انتقلت شفهياً عبر الأجيال، ومن أبرز اللغات المهددة بالاندثار خلال العقود المقبلة: (لغة الأينو في اليابان- لغة الليفونية في منطقة البلطيق - لغة الكاروك في كاليفورنيا - لغة الهوبا في أمريكا الشمالية - لغة مانكس في جزيرة مان - عشرات اللغات الأصلية في الأمازون - عدد كبير من اللغات الأسترالية الأصلية - لغات السكان الأصليين في سيبيريا وشمال روسيا).
الاغتيال اللغوي.. مَنْ وراء الجريمة؟. إن اللغات في المنظور الإستراتيجي الحديث لا تموت «وفاة طبيعية»، بل تُدفع إلى الموت بآليات سلطوية تخفيها، وكأنها تُشبه إلى حد بعيد انقراض الأنواع البيولوجية؛ فكلاهما يؤدي إلى إفقار التنوع الإنساني وتقليص قدرة البشرية على التكيف مع المستقبل.. وهُنا نرصدها في مُثلث لهذا الاغتيال البارد:
القتل الخشن والقمع بفرض لغة المستعمر، كالاستعمار الأوروبي في إفريقيا وآسيا والأمريكيتين لم يكتف بالسيطرة على الأرض والثروات، بل سعى أيضاً إلى فرض لغاته باعتبارها لغات الإدارة والتعليم والاقتصاد، كما حدث في المدارس الداخلية القسرية لأيرلندا وأمريكا.
الإقصاء الناعم والحراك الاقتصادي والطبقي والتوظيف باللغات (السوبر- الإنجليزية والمندرينية)، وتحويل اللغات المحلية إلى متاحف للتنشيط السياحي أو التذوق التاريخي، مع حظر استخدامها في الإدارة والقانون والمعاملات الرقمية، مما يدفع الأجيال الجديدة لهجرها طواعية بحثاً عن المستقبل.
النزوح المناخي والبيئي بجفاف الأراضي والتهجير القسري (مثل لغة داغباني بغانا).
اللغات الهجينة: كشف فحص التاريخ اللغوي عن ظاهرة إستراتيجية مثيرة مفادها أن اللغات المهيمنة اليوم بدأت كنسخ ركيكة ومبسطة للغات قديمة، فالإنجليزية الحديثة التي تحكم العالم تكنولوجياً واقتصادياً، ما هي إلا نتاج تدمير واستعمار ثقافي؛ فعندما غزا الفايكنغ الاسكندنافيون إنجلترا في القرن 8، تعلموا إنجليزية القرن 8 القديمة المعقدة وهم كبار. وبسبب عجزهم عن استيعاب تفاصيل القواعد، أسقطوا الشواذ وتحديد الجنس للجمادات (وهي الميزة التي تتفرد بها الإنجليزية بين اللغات الهندوأوروبية)، وهُنا جاءت النسخة «المعوجة والمبسطة» التي تداولها الفايكنغ والتقطها الأطفال لتُصبح عبر القرون هي اللغة العالمية الأولى. لكن المفارقة أن اللغة لا تكون دائماً ضحية للصراع؛ بل تتحول أحياناً إلى أداة مقاومة، ففي أوكرانيا مثلاً، أصبحت لغة مثل «السورجيك» في الصراع الروسي الأوكراني المعاصر كأداة مقاومة لغوية؛ وأحد أهم خطوط المواجهة الرمزية في الصراع الدائر منذ سنوات. حيث تحولت من لغة هجينة ريفية منبوذة إلى خندق ثقافي يستعمله الأوكرانيون لهجر لغة المعتدي وترسيخ هويتهم الوطنية. وهكذا يتضح أن اللغة ليست مجرد أداة ثقافية، بل عنصر من عناصر القوة الناعمة والأمن القومي والشرعية السياسية.
اللسان العربي قوى جيومعرفية وبنيوية: وهو جعلته صامداً ولا يزال وسط هذه المقصلة اللغوية التي تبتلع حضارات بأكملها، كظاهرة استثنائية عصية على الانقراض، بسبب الامتداد العضوي والارتباط الوجودي (المحرك الميتافيزيقي) على عكس اللغات التي ماتت بموت مؤسساتها السياسية، ترتبط العربية برباط ميتافيزيقي وجودي هو «القرآن الكريم». هذا الارتباط جعلها لغة تعبدية وثقافية لأكثر من ملياري مسلم حول العالم. إن النص المقدس ضمن للعربية ثباتاً في أصولها البنيوية والنحوية على مدار 1400 عام، وهو ما تفتقده الإنجليزية التي لا يستطيع ناطقها المعاصر فهم نصوصها المكتوبة قبل خمسة قرون دون ترجمة وتفكيك. كذلك هناك قوة العبقرية الاشتقاقية والمرونة الرياضية التي تتميز بها العربية ببنية «اشتقاقية جذرية» قائمة على القياس الرياضي والوزني (فِعْل، فاعل، مفعُول)، والتي منحتها قدرة توليدية لا مُتناهية على استيعاب المصطلحات الحديثة وتوليد المُترادفات من جذر واحد. يُقابلها اللغات الهندية الأوروبية (كالبريطانية والفرنسية) وهي لُغات «إلصاقية» تحتاج إلى استعارة كلمات كاملة أو دمج كلمات لتوليد معنى جديد، بينما تولد العربية الكلمة من بطن الكلمة، مما يمنحها كفاءة تخزينية ومعرفية هائلة. وأخيراً، التعددية المستوياتية (الفصحى والعاميات كشبكة أمان)، وهُما ثنائي يراها البعض ضعفاً، لكنهما «شبكة أمان وحيوية». فهُما مجرد تموجات صوتية محلية تحمي الجسد المركزي للفصحى، وتعمل كمصدات صدمات للتثاقف اليومي، بينما تظل الفصحى هي لغة القانون، التعليم، السياسة، والإعلام المشترك من المحيط إلى الخليج، مما يمنع تفتت اللغة وتوزعها كحال اللاتينية قديماً.
اللغة والعولمة الرقمية التي أحدثت ثورتها مفارقة لافتة، عبر الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي وهيمنة عدد محدود من اللغات العالمية، وعلى رأسها الإنجليزية والصينية والإسبانية عليهم، لكن التحدي الحقيقي يكمن في نقل اللغة من الأرشيف إلى الحياة اليومية، فاللغة لا تعيش داخل قواعد البيانات، بل تعيش على ألسنة الأطفال. والسؤال الأهم هو هل يمكن إحياء اللغات الميتة؟. حيثُ تثبت التجارب العالمية أن بعض اللغات يمكن إنقاذها إذا توفرت الإرادة السياسية والمجتمعية، كنيوزيلندا التي أعادت الاعتبار للغة الماوري من خلال برامج «أعشاش اللغة» التي تربط الأطفال بلغتهم الأم منذ السنوات الأولى.
وقفة
«حدود لغتي هي حدود عالمي». هكذا قال لودفيغ فيتغنشتاين، فالخطر الأكبر لا يكمن في اختفاء الكلمات، بل في اختفاء العوالم التي تحملها تلك الكلمات داخلها. وبالتالي فإن إنقاذ اللغات ليس مهمة اللغويين وحدهم، بل مسؤولية حضارية عالمية. فحين تنقرض لغة، تخسر الإنسانية جزءاً من ذاكرتها، وحين تُنقذ لغة، يُمنح المستقبل فرصة جديدة لأن يكون أكثر تنوعاً وثراءً وإنسانية.