سلمان المشلحي
«الميدان ... يا حميدان»، مثل شعبي متداول، يُقال لمن يكثر الحديث عن قدراته وإنجازاته، وكأن الرسالة المختصرة فيه أن الفرصة متاحة للجميع، وأن الحكم الحقيقي لا يكون بالكلام، بل بما يتحقق على أرض الـواقـع.
ولعل هذا المثل يستحق أن نستحضره اليوم ونحن نتابع التحول الكبير في ثقافة العمل الحكومي بالمملكة، ذلك التحول الذي نقل كثيراً من المسؤولين من خلف المكاتب إلى قلب الميدان، ومن التقارير الورقية إلى مشاهدة الواقع كما هو، ومن سماع التحديات عبر الوسطاء إلى الوقوف عليها بشكل مباشر.
في السنوات الأخيرة تغيّر المشهد كثيراً، فلم تتغير الأنظمة والإجراءات فحسب، بل تغيّر معها أسلوب الإدارة ذاته، أصبح الوزير والمسؤول التنفيذي جزءاً من موقع العمل، يتفقد المشاريع، ويستمع للمستفيدين، ويتابع تفاصيل التنفيذ على الطبيعة، إدراكاً بأن كثيراً من الحقائق لا تنقلها التقارير كما تنقلها المعاينة الميدانية.
هذا النهج الذي رسخته رؤية المملكة 2030، ويدعمه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعاد تعريف مفهوم المسؤولية؛ فالإنجاز لم يعد يقاس بحجم المكاتب ولا بمظاهر البروتوكول، بل بمدى قرب المسؤول من موقع الحدث، وقدرته على اكتشاف التحديات ومعالجتها قبل أن تتحول إلى عقبات.
ولذلك لم يعد مستغرباً أن نشاهد الوزراء والمسؤولين يرتدون ملابس العمل الميداني، أو يتنقلون بين المشاريع والمنشآت دون مظاهر رسمية مبالغ فيها، فالصورة التي اعتاد الناس رؤيتها سابقاً للمسؤول عبر شاشات التلفاز أو في الاجتماعات الرسمية أصبحت اليوم مختلفة؛ صورة مسؤول يتفقد، ويتابع، ويسأل، ويقف على التفاصيل بنفسه.
والحقيقة أن هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في أسلوب العمل، بل تغيير في فلسفة الإدارة ذاتها؛ فالميدان يملك لغة لا تجيدها التقارير، ويكشف من التفاصيل ما قد تغفله الجداول والإحصاءات، ولهذا أصبحت الجولات الميدانية جزءاً من صناعة القرار، لأنها تقرّب الصورة، وتختصر المسافات بين المسؤول والواقع، وتجعل الحلول أكثر التصاقاً باحتياجات الناس.
واليوم لم يعد المواطن يبحث عن المسؤول الذي يكثر الحديث عن الإنجازات، بل عن المسؤول الذي يراه في الميدان، فالحضور المباشر يمنح الناس شعوراً بالثقة، ويؤكد لهم أن العمل يسير وفق متابعة جادة، وأن المشكلات لا تُدار من خلف المكاتب فقط، بل تُعالج في مواقعها، حيث تظهر التحديات الحقيقية.
ولعل موسم الحج لهذا العام كان شاهداً واضحاً على هذه الثقافة الجديدة؛ إذ رأينا مسؤولين وقادة يعملون وسط الميدان، يتابعون الخدمات، ويقفون على التفاصيل، في صورة تعكس حجم التحول الذي تعيشه المملكة في مختلف القطاعات، وتجسد نموذجاً عملياً للقيادة القريبة من الحدث والإنسان.
إن نتائج هذا النهج لن تتوقف عند مشروع هنا أو خدمة هناك، بل ستنعكس على جودة الحياة والتنمية وكفاءة الأداء الحكومي بصورة عامة. فحين يصبح الميدان هو نقطة البداية، تصبح القرارات أقرب إلى الواقع، والحلول أكثر فاعلية، والنتائج أسرع وصولاً.
وفي النهاية يبقى المثل الشعبي حاضراً في أذهاننا: «الميدان... يا حميدان».
فهناك تُختبر الخطط، وتُقاس النتائج، وتظهر حقيقة الإنجاز، أما المكاتب فتصنع القرارات، لكن الميدان وحده هو الذي يحكم على نجاحها.