أوس أبو عطا
عرف العرب قديماً قيمة المرأة ومكانتها، ولذا كان يسمو موضعها بسمو المجتمع العربي، وكان لها الكثير من الحرية، وكانت تمتلك المال وتتصرف فيه كما تشاء، فبعد ازدهار التجارة والشعر في العصر الجاهلي، كانت كل من خديجة بنت خويلد أم المؤمنين والخنساء تنشطان بهذين المجالين وتزاحمان الرجال.
وقد ساند الإسلام هذه الحرية وحرّم أن تعضل المرأة وتمنع من الزواج بعد وفاة بَعلها، كما حرّم زواج المَقت وهو الجمع بين الأختين، كما حرّم زواج الشِّغار وهو أن يتزوج شخص أخت صديق له على ان يزوّجه أخته، وحرّم أن يتزوج الابن امرأة أبيه بعد وفاته كما حرّم وأد البنات وحرمانهن من الميراث كما يورد الدكتور شوقي ضيف (1910 - 2005) في كتابه (تاريخ الأدب العربي/ العصر الجاهلي).
يجب الأخذ بالحسبان أن المجتمع المكي هو مجتمع ثري بالأصل بسبب موسم الحج والتجارة (رحلتي الشتاء والصيف) في الجاهلية، وقد زاد ترفه بعد الفتوحات الإسلامية، التي كانت مغانمها لا تحصى من أموال وذهب وفضة ورقيق وجوارٍ.
أمّا المدينة فقد بدأ ظهور الثراء منذ عهد أبي بكر، ويذكر اليعقوبي (ت284 هجرية) في الجزء الثاني من تاريخه، أن أوّل مالٍ قسّمه أبو بكر الصديق ما أتى به العلاء الحضرمي من فتح بعض نواحي البحرين، حيث أعطى لكل الناس من الأحرار والعبيد نفس المبلغ دينارا لكل إنسان. وازداد هذا الثراء بشكل جلي مع عهد عمر بن الخطاب تحديدا، بعدما انسكبت كنوز الأرض في بيوت المدينة بسبب مغانم الفتوحات الإسلامية، وتحصيل أموال الفيء من الجزيرة وبلاد الشام والعراق وفارس، وبسبب هذه الأموال العظيمة، عمل الفاروق بنصيحة بعض مزاربة الفرس، حيث دوّن الدواوين، ليضبط الأموال الداخلة والخارجة، وأعطى الناس رواتب مالية ثابتة حسب مراتبهم.
وكما كان الرجال مترفين كانت النساء أيضا، فترفهنّ أكثر ظهورا من ترف الرجال بسبب ميلهن الفطري للتزيّن والتجمّل.
وخير من يمثل سيدات المجتمع المخملي ونبيلاته في هذا العصر، السيدة عائشة بنت طلحة والسيدة سكينة بنت الحسين.
غني عن البيان أنّ السيدة عائشة بنت طلحة من نبيلات قريش وحسناواتها وذات مال عظيم.
كانت زوجة لعبد الله بن عبدالرحمن بن أبي بكر ثم توفى فتزوجها مصعب بن الزبير، وأمهرها ألف ألف درهم، وتوفي عنها، فتزوّجها عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، ومات عنها ولم تتزوج بعده.
ويروي أبو الفرج الأصفهاني (ت 356) هجرية في الجزء الثاني من كتابه (الأغاني) عن السيدة عائشة أنها كانت إذا حجّت ذهبت ومعها ستون بغلا عليها الهوادج والرحائل، فانتقدها عروة بن الزبير فقال: عائش يا ذات البغال الستين أكلّ عام هكذا تحجين فأرسلت إليه «نعم يا عريّة».
ويروى أن عاتكة بنت يزيد بن معاوية استأذنت عبد الملك بن مروان في الحج فقال لها: «ارفعي حوائجك واستظهري، فإن عائشة بنت طلحة تحجّ، ففعلت، فجاءت بهيئة جهدت فيها، فلما كانت بين مكة والمدينة إذا موكب قد جاء فضغطها، وفرق جماعتها، فقالت: أرى هذه عائشة بنت طلحة، فسألت عنها، فقالوا: هذه خازنتها، ثم جاء موكب آخر أعظم من ذلك، فقالوا: عائشة عائشة، فضغطهم، فسألت عنهم، فقالوا: هذه ماشطتها، ثم جاءت مواكب على هذه الهيئة إلى سَننها، ثم أقبلت كوكبة فيها ثلاثمئة راحلة، عليها القباب والهوادج، فقالت عاتكة: «ما عند الله خير وأبقى».
إذا كانت بنت الخليفة يزيد حفيدة معاوية لا تصل لمستوى ترف وثراء ورفاهية عائشة بنت طلحة ولا تبلغ مبلغها في زينتها وهيئتها، فماذا كانت هذه الهيئة والزينة؟ إننا لو سمعنا في هذا العصر أن امرأة تحجّ على هذا النحو لتزاحم مراسلو القنوات التلفزيونية كي يغطوا هذا الحدث ويبثّوه على شاشات التلفزة ومنصات التواصل الاجتماعي ولأصبحت الترند الأول على مستوى العالم أجمع.
ويذكر الدكتور شوقي ضيف في كتابه (الشّعر والغناء في المدينة ومكة) أنّ زوجها مصعب بن الزبير أهداها ثماني حبات من اللؤلؤ قيمتها عشرون ألف دينار، فلما دخل عليها ليقدم هديته وجدها تغطّ في النوم، فأيقظها، فلما رأت اللآلئ لم تكترث بها، وقالت: كان النوم أحب إليّ.
وقد روي أنها لما تأيَّمت كانت تقيم بمكة سنة وبالمدينة سنة، وتخرج إلى مال لها بالطائف عظيم وقصر، فتتنزه وتجلس فيه في المساء، فتناضل بين الرماة، ثم يتقاطر عليها الشعراء من كل حدب وصوب لتغدق عليهم من أموالها وهداياها.
وافتتن بها الحارث بن خالد المخزومي الذي كانت كل أغانيه تقريبا في عائشة بنت طلحة، تارة يتغزل بها مباشرة، وتارة يتغزل بها عن طريق جاريتها (بُسرة) تلميحا.
ولعل ما تقدم يؤكد، ظهور الكثير من سيدات المجتمع المخملي وشريفاته واللواتي سطرّن فصلاً جديداً من تحضر وتحرر المرأة العربية وسموّ مكانها ومكانتها في المجتمع.
وبهذا تحضر وتقدم المجتمع الحجازي وارتفعت قيمة الفرد ككل والمرأة تحديدا، وهذا ما أود الحديث عنه بالتطرق إلى شخصية نسائية فريدة أخرى في المادة القادمة بعون الله.