د. سامي بن عبدالله الدبيخي
أصدرت مجموعة بوسطن للاستشارات Boston Consulting Group (BCG) في مايو 2026 تقريرها المعنون (خيارات المدن Built to Change 4.0). يتبنى التقرير منهجية حديثة تؤكد أن المنافسة الحضرية لم تعد مجرد بنية تحتية، بل هي قدرة على إحداث تغيير ملموس في جودة الحياة، جاعلاً من سرعة التغيير Speed of change المعادلة الرابحة للمستقبل.
الجميل في التقرير إثباته أن المدن السعودية تعيش مرحلة تحول حضري استثنائية، متجاوزة العديد من المدن الغربية الرائدة في المرونة والتكامل الرقمي.
أبرز محطات التفوق لمدننا في التقرير:
- سرعة التغيير والتفاعل: هيمنت مدن المملكة مع مدن صينية على صدارة مؤشر سرعة التغيير. قفزت الرياض للمرتبة الثانية عالمياً وصُنفت كـمركز عالمي راسخ Established global hub، بينما حلت مكة سابعاً، وجدة (9)، والدمام (11)، والمدينة (12). كما سجلت الرياض دخولاً قوياً في قائمة أفضل 10 مدن تفاعلاً مع الحكومات بفضل قفزة مؤشر الحكومة الإلكترونية (EGDI) من 0.49 إلى 0.92.
- الأمان والروابط الاجتماعية: سجلت مكة المكرمة أعلى معدل عالمي في مؤشر «تأييد السكان»، وتصدرت مع الرياض قائمة المدن الأكثر أماناً.
كما برزت جدة باعتزاز سكانها بالثقافة المحلية متفوقة على مدن كبرشلونة وأمستردام، مع ريادة خليجية في قوة الروابط الاجتماعية.
لكن، وقفة نقدية لا بد منها: كمراقب عن كثب لواقع تخطيطنا الحضري، ومشاريع أنسنة الأحياء السكنية وقابلية العيش للمشاة في شوارعنا المحلية، لا يمكنني المرور على التقرير دون توضيح نقدي لمكامن الخلل المنهجي فيه:
- هشاشة العينة الإحصائية: استند التقرير إلى استبيان بمعدل 300 شخص لكل مدينة.
هذه عينة صغيرة وغير ممثلة إحصائياً لمدن ضخمة يتجاوز سكانها 10 ملايين نسمة كالرياض، مما ينسف موثوقية مؤشرات كالروابط الاجتماعية.
- الاستنساخ المتحيز للنماذج الغربية: يوصي التقرير بتطبيق نموذج «مدينة الـ 15 دقيقة» لتحفيز المشي واستخدام الدراجات الهوائية للارتقاء بقابلية العيش. كباحثين في جودة الشوارع وحركة المشاة، ندرك أن هذا النموذج قد ينجح في فيينا أو أمستردام، لكن تطبيقه في مدننا ذات المناخ القاسي صيفاً يعد تجاهلاً صارخاً للواقع.
أنسنة الأحياء لدينا تتطلب معايير تحليلية تتواءم مع بيئتنا، لا مجرد استيراد قوالب جاهزة.
- معايير ديموغرافية لا تناسبنا: قياس القدرة على تحمل تكاليف السكن بناءً على شقة مساحتها 40 متراً مربعاً هو تغافل تام عن ثقافة الأسر الكبيرة في مدننا، مما يجعل المقارنة غير عادلة.
- الانحياز النخبوي: يقيس التقرير الجاذبية باندماج الميسورين في الخدمات الرقمية متجاهلاً الأغلبية من محدودي الدخل.
- تجاهل السياق الإداري والروحي: مقارنة ثقة السكان بـ«العمدة» مقابل «القيادة الوطنية» هو مقياس صُمم للأنظمة اللامركزية الغربية، ولا قيمة تحليلية له في إدارتنا المحلية الممتدة من الحكومة المركزية.
كما أن التقرير تعامل مع مكة والمدينة كمدن عادية، متجاهلاً رمزيتهما الروحية التي ترفع بطبيعة الحال من رضا وسعادة سكانهما.
بالرغم من تمتع مكة بهذه القدسية كبيئة جاذبة للمسنين فإن التقرير يورد أن حوالي 55% منهم لا يرغبون الاستقرار فيها وهذا لا يتوافق مع ما نلمسه في مجالسنا مع كبار السن.
- الخلاصة: التقارير الدولية أداة ممتازة لقياس التنافسية، ولكن يجب ألا نأخذها كمرجعية مطلقة دون فلترتها عبر واقعنا الديموغرافي، المناخي، والمكاني. نجاح مدننا الحقيقي يكمن في ابتكار مقاييسنا الخاصة لجودة الحياة وأنسنتها.