نجلاء العتيبي
مَن منَّا لم يذُق طعم الخِذلان؟
ذلك الشعور الذي لا يستأذن أحدًا، ويعبُرُ حياة الإنسان في لحظةٍ يظنُّ فيها أن الأمور أكثر ثباتًا مما هي عليه، تتغيَّر بعده أشياءُ كثيرةٌ؛ طريقة النظر، وعمق الفهم، وحدود الثقة، حتى يُصبح الإنسان أكثر إدراكًا لما تُخفيه المواقف خلف هدوئها الظاهر، ونادرًا ما يخرُجُ المرء من هذه التجربة كما كان قبلها؛ لذلك يُعَدُّ تجاوزها بسلام نوعًا من الشجاعة الحقيقية؛ لأن الخِذلان لا يترك أثره في المشاعر فقط، إنما يُعيد تشكيل نظرة الإنسان للحياة بأكملها، ويجعله أكثر انتباهًا للتفاصيل التي كان يتجاوزها من قبلُ، وأكثر قدرةً على قراءة التصرُّفات وفهم المعاني التي تختبئ خلف الكلمات.
وللخذلان صورٌ متعددةٌ، لا ترتبط بعلاقة معينة أو موقف مُحدَّد، فقد يأتي من تصرُّف غير مُتوقَّع، أو غياب في وقتٍ كانت فيه الحاجة إلى الحضور عظيمة، أو من حقيقةٍ تظهر متأخرةً فتُغيّر كثيرًا من القناعات، وأكثر ما يُثقله أن مصدره غالبًا يكون من جهةٍ منحها الإنسان مساحة صادقة من ثقته واطمئنانه؛ لذلك يبدو أثره عميقًا وصامتًا في آنٍ واحدٍ. ومع ذلك، فالحياة لا تتوقَّف عند لحظة انكسار، بل تمنح الإنسان فرصة أخرى ليُعيد فهم ذاته بصورة أنضج، ويُدرك أن القوة الحقيقية لا تعني القسوة، إنما القدرة على النهوض دون أن يفقد اتزانه الداخلي، أو يتحوَّل إلى شخص ممتلئ بالريبة والجمود.
فالإنسان القوي ليس من عاش حياة خالية من الخيبات، إنما مَن استطاع أن يُحوّل تجاربه المؤلمة إلى وعيٍ أوسَعَ ونظرة أكثر اتزانًا؛ فالتجارب القاسية مهما أثقلت الروح تصنع داخل الإنسان بصيرة لا تمنحها الحياة السهلة، ومن يتأمَّل ذاته بعد كل تجربة، يُدرك أن كثيرًا من حكمته الحالية لم تُولَد معه، إنما تشكَّلت عبر المواقف التي أجبرته على إعادة ترتيب أولوياته، وفهم الناس بصورةٍ أعمق، ومعرفة قيمة نفسه بعيدًا عن اندفاع العاطفة أو اندهاش البدايات، كما أن الإنسان بعد الخِذلان يُصبح أكثر ميلًا إلى التوازن، فلا يُبالغ في التعلُّق، ولا يمنح ثقته بسرعةٍ، ولا يربط راحته النفسية بوجود الآخرين حوله.
ولا يعني التعلُّم من الخذلان أن يفقد الإنسانُ ثقته بالحياة، إنما أن يصبح أكثر وعيًا في منح مشاعره، وأكثر إدراكًا لحدود الأشياء؛ فالنضج الحقيقي لا يدفع الإنسان إلى الانغلاق، إنما يمنحه هدوءًا داخليًّا يجعله يرى المواقف بوضوحٍ أكبر، وكل تجربة يتجاوزها تُضيف إلى شخصيته قدرًا من الثبات، وتمنحه قدرةً أعلى على التمييز بين الحضور الصادق والحضور المؤقَّت، وبين مَن يبقى حين تتغيَّر الظروف، ومَن يختفي عند أول اختبارٍ.
وقد أشارت دراسات نفسية عديدة إلى أن الأشخاص الذين يُواجهون الصدمات العاطفية بوعي وقدرة على الفهم، يصبحون مع الوقت أكثر حكمةً واتزانًا، وحين يُدرك الإنسان أن بعض الخسارات كانت سببًا في نضجه واتساع رؤيته، فإنه يتوقَّف عن النظر إلى الماضي كعبءٍ ثقيلٍ، ويبدأ بالنظر إلى الحياة بعينٍ أكثر صفاءً واتزانًا وقدرةً على الاستمرار.
ضوء
«لا علاقة للزمن بالنضج، نحن نكبَرُ من خلال التجارب».
- جورج برنارد شو.