د. أنس عضيبات
ندخل العلاقات الإنسانية غالبًا محملين بحقائب ثقيلة من رغبات طفولية قديمة لم تكتمل؛ نبحث دون وعي عن ذلك «الرَّحِم النفسي» الذي يحتضننا بلا شروط، يتفهم هفواتنا قبل كلماتنا، ويتحمل تقلباتنا المزاجية دون أن يضيق بنا ذرعًا، لقد كبرنا وفي مخيلتنا فكرة دافئة لكنها مشوهة: أن الحب الحقيقي يعني القبول المطلق واللامحدود، فنظن أن من يحبنا بصدق يجب أن يمتلك قدرة خارقة على امتصاص كل أوجاعنا، وأن يظل بابه مفتوحًا لنا على مصراعيه، مهما عصفت بنا رياح الغضب أو الإحباط، وكأننا نبحث في الشريك عن «أم نفسية بديلة» لا تكل ولا تمل. ولكن الصدمة الخفية التي تباغت الجميع عاجلاً أم آجلًا، هي اكتشاف أن البشر ليسوا ملاذات آمنة مطلقة لحماية الآخرين، بل هم أنفسهم يبحثون عمن يحميهم، ولكل إنسان طاقته المحدودة، مخاوفه الخاصة، وجروحه القديمة التي يحاول ترميمها، وحين نصطدم بهذه الحقيقة، يتحول أي انسحاب مؤقت من الطرف الآخر، أو رغبة منه في قضاء وقت بمفرده، إلى جرح غائر في وجداننا، نترجم اختلافه معنا أو عجزه العابر عن احتوائنا على أنه إعلان صريح بالرفض أو دليل قاطع على أننا «غير محبوبين»، غافلين عن أن هذا العجز هو مجرد انعكاس لطبيعته البشرية المحدودة، وليس حكمًا على استحقاقنا للحب.
هذا الفخ الذهني يحول العلاقات من مساحات للمشاركة والنمو، إلى ساحات للاختبار المستمر وجَلد الذات وعندما نربط أماننا النفسي بـ«قبول مطلق» من شخص آخر، فإننا نضع على عاتقه عبئًا يعجز أعتى البشر عن حمله، وتبدأ العلاقة بالاختناق تحت وطأة التوقعات العالية، ويصبح الشريك مطالبًا بأن يكون متفهمًا على الدوام، ومتاحًا على الدوام، ومتسامحًا بلا حدود؛ وهي معادلة مستحيلة تقود في النهاية إلى النفور والتباعد، وتتركنا نتساءل بحسرة: كيف تحول هذا الحب الكبير إلى جفاء متبادل؟
إن النضج الحقيقي، والشفاء من هذا الوهم، يبدأ من تلك اللحظة الشجاعة التي ننتقل فيها من مرحلة «الاحتياج الطفولي» إلى «الوعي الإنساني»، وأن ندرك أن الطرف الآخر يمكنه أن يحبنا بصدق ويسكن أعماقنا، ومع ذلك يختلف معنا بشدة، أو يضع حدودًا صارمة لحماية مساحته الخاصة، أو حتى يعجز في لحظة إنهاك عن استيعاب فيضان مشاعرنا، وهذا الفهم لا يقلل من قيمة الحب، بل يحرره من القيود، ويجعلنا نرى الشريك كإنسان يخطئ ويصيب، يملك طاقة تشحن وتنفد، وليس كمصدر إلهي للدعم لا ينضب. وفي نهاية المطاف، ربما لا تأتي الراحة الحقيقية والسلام الداخلي من العثور على شخص يحتملنا بلا حدود، بل من بناء «مساحة آمنة» داخل أنفسنا؛ مساحة متينة تجعلنا نتكئ على ذواتنا أولًا، فلا ننهار أو تتزلزل قيمتنا كلما خذلنا بشر.. لأنهم ببساطة بشر، إن التخلي عن فكرة «القبول غير المشروط» ليس دعوة للتشاؤم أو القسوة، بل هو الخطوة الأولى لبناء علاقات حقيقية وصحية، تولد من رحم الواقع لا من أوهام الخيال، علاقات تعيش على الاحترام المتبادل لـ «إنسانيتنا المحدودة».