د. عبدالرحمن بن حسين فقيهي
تُعدّ العصرانية من أكثر المصطلحات تداولًا في الخطاب الفكري المعاصر، غير أن كثرة استعمالها لم تُنهِ الجدل حول حقيقتها ومضامينها. فهي عند أنصارها محاولة لقراءة النصوص الدينية قراءة تتوافق مع متغيرات العصر، بينما يراها منتقدوها مشروعًا لإعادة تشكيل الدين وفق الرؤى الفكرية الحديثة، ولو كان ذلك على حساب النصوص القطعية والأحكام المستقرة.
والإشكال الحقيقي لا يكمن في الاستفادة من معطيات العصر، فالإسلام دين صالح لكل زمان ومكان، وقد راعى المتغيرات والأعراف والمصالح المعتبرة، وأفسح مجال الاجتهاد فيما يقبل الاجتهاد. وإنما يكمن الإشكال عندما يتحول العصر إلى مرجع حاكم على النص، فتُوزن الأحكام الشرعية بميزان الثقافة السائدة، ويُعاد تفسير النصوص لتوافق الأفكار الوافدة مهما كانت مخالفة لأصول الشريعة ومقاصدها.
لقد شهد العالم الإسلامي في العقود الأخيرة دعوات متزايدة لإعادة قراءة التراث والنصوص الشرعية بمنهجيات مستوردة من البيئات الغربية، تقوم في كثير من صورها على التشكيك في دلالات النصوص أو نزع القداسة عنها أو اعتبارها نتاجًا تاريخيًا مرتبطًا بظروف زمنية معينة. ومن هنا نشأت محاولات لإعادة تفسير كثير من الأحكام الشرعية الثابتة تحت شعار «مواكبة العصر» أو «التجديد».
والتجديد في الإسلام قيمة شرعية معتبرة، لكنه تجديد يهدف إلى إحياء الدين وإبراز هداياته ومعالجة النوازل في ضوء أصوله، لا إلى تبديل أحكامه أو تعطيل نصوصه. وقد فرّق العلماء بين الاجتهاد المشروع الذي ينطلق من النصوص ويستضيء بها، وبين التأويل المتكلف الذي يسعى إلى ليّ أعناق النصوص لتوافق أفكارًا مسبقة.
ومن أبرز مظاهر الخلل في بعض الطروحات العصرانية أنها تجعل رضا الإنسان المعاصر هو المعيار الأعلى للقبول والرفض، فإذا وافق الحكم الشرعي الأذواق السائدة قُبل، وإذا خالفها عُدّ بحاجة إلى مراجعة أو إعادة تفسير. وهذا المنهج يقلب العلاقة بين الوحي والواقع؛ إذ الأصل أن يكون الوحي هاديًا للواقع وموجّهًا له، لا تابعًا لتقلباته وتحولاته.
ولا يعني نقد العصرانية رفض الاستفادة من العلوم الحديثة أو معاداة التطور أو الانغلاق عن العالم، فالحكمة ضالة المؤمن، والإسلام شجّع على النظر والتفكر والأخذ بأسباب التقدم. لكن الفرق كبير بين الإفادة من منجزات العصر، وبين جعل تلك المنجزات معيارًا لإعادة صياغة الثوابت الشرعية.
إن الأمة بحاجة إلى وعي فكري يميز بين التجديد والانحراف، وبين الاجتهاد المشروع والتنازل عن الأصول، وبين الانفتاح الواعي والذوبان في الآخر. فالتحدي الحقيقي ليس في أن نعيش عصرنا، وإنما في أن نعيش عصرنا ونحن ثابتون على مرجعيتنا، معتزون بديننا، مستمسكون بوحي ربنا، مدركون أن صلاح الإنسان لا يتحقق بتغيير النصوص لتوافق الأهواء، وإنما بتحكيم النصوص لتقود الإنسان إلى الحق والهدى.
وستظل الشريعة الإسلامية، بما تحمله من كمال وعدل ورحمة، قادرة على استيعاب المستجدات ومعالجة النوازل، ما دام التعامل معها قائمًا على الفهم الصحيح والتسليم لله تعالى، لا على إخضاعها لضغوط اللحظة ومرات الثقافة السائدة.