أ.د. يحيى بن محمد شيخ أبو الخير
شهد التعليم العالي في العالم خلال السنوات القليلة الماضية تحولا تقنيا أدى إلى بروز نسق حديث يعرف بالتعلم الغامر“Immersive Learning” الذي يُؤَمَّلُ أن يسهم على المدى الطويل في تشكيل تجربة واعدة تتجاوز أطر التعلم التقليدية، إضافة إلى إسهامه في تعزيز الفهم المتعمق للمحتوى التعليمي المعقد مفاهيمياً. ولتحقيق ذلك الفهم يُوَظَّفُ هذا النسق من التعلم إجرائياً عبر برمجيات رقمية ثلاثية الأبعاد تعتمد تطبيقياً على عدة تقنيات كالوقائع الافتراضية “Virtual Reality” والمعززة “Augmented Reality”، والمختلطة “Mixed Reality” التي تسعى بعض مؤسسات التعليم العالي الرائدة في العالم تطبيقها في الوقت الراهن عبر أطياف واسعة من التخصصات الأكاديمية. ويتوزع مستوى الغمر في تلك التخصصات إلى المنخفض ذي المحتوى الرقمي، والمتوسط ذي المحاكاة التفاعلية، والمرتفع ذي البيئات الكاملة الغمر حيث يعايش المتعلم عبر تلك المستويات وخاصة المرتفع منها تجربة تعليمية فريدة تشعره وكأنه مغمور إدراكياً داخل بيئة تتيح له معايشة المعرفة بدلا من مجرد تلقيها. فعلى سبيل المثال لا الحصر، قد يستخدم الطالب لتحقيق تلك المعايشة نظارات الواقع الافتراضي أثناء الدرس، أوقد يوظف الدارس في المقابل أنموذجاً غمرياً ثلاثيَّ الأبعاد يتجول من خلاله افتراضياً داخل جسم الإنسان أو يتوغل في أعماق كوكب أو نجم أو ثقب اسود. كما تتوزع تطبيقات التعلم الغامر، وفقاً لبعض الدراسات، إلى عدة قطاعات كالفصول الدراسية التقليدية والمنصات الإلكترونية (2020 Radianti et. al) اللاتي يقترن توزيعها وفقاً لبيلنسون ببيئات غامرة يفترض خلوها من الإرهاق المعرفي والنفسي للمتعلمين (Bailenson 2021).
مع كل التقدم التقني الذي صاحب التعلم الغامر، فلا يزال هذا النسق في مراحله التجريبية الأولية الغضة الجانب نظرياً وتطبيقياً، إضافة إلى حاجته للمزيد من النماذج العملية الواضحة لدعم المعلمين الذين يرغبون في استخدامه (Fernandes et. al. 2022, Cheng et. al. 2025). كما لا يزال هذا النسق من التعلم في حاجة إلى المزيد من الجهود التربوية الصارمة، والتقييمات المنهجية الجادة لنتائجه. (Stracke et. al. 2025) ومع كل ذلك التطور النسبي لأنساق الغمر، لا تُعِدُّ العديد من الدراسات الرائدة في مجال تكنولوجيا التعليم هذا النسق من التعلم تصنيفاً تعليمياً مستقلا، بل وسيلة تقنية قابلة للتوظيف حسب الحاجة ومقتضيات الحال داخل أكثر من نظام تعليمي كالحضوري المطلق (Face to Face Learning) والرقمي الاندماجي “Blended learning” والتزامني الهجين Learning” “Hybrid، أو التعليم عن بعد “Distant learning” الذي لا تحبذ بعض الجامعات الأمريكية الرائدة تحديدا توظيفه بشكل مستدام ضمن هذا النسق من التعلم 2025 Stracke et. al. وتدليلاً على ما سبق ذكره آنفاً، فهناك جامعات أمريكية مرموقة مثل سفولك “Suffolk” وتكساس “Texas U” و»إلون “Elon U”، وأوهايو الحكومية “Ohio State U” تحرص على تطبيق هذا النسق من التعلم حضورياً أو بشكل اندماجي أو تزامني هجين في قاعات دراسية مزودة بشاشات الكترونية ذكية تدار داخل أروقة تلك الصروح وفق حوكمة أكاديمية وفنية وتشغيلية صارمة لائحياً. فالتجربة الحضورية في اعتقاد تلك الجامعات هي جوهر «التعلم الغامر» لأن التفاعل المباشر والمشاركة الفورية في بيئات حقيقية كقاعات الدراسة يعد من وجهة نظر تلك الجامعات أمراً ضرورياً لضمان نجاح هذا النسق التعليمي نظرياً وتطبيقياً. وعلى أية حال، فتطبيقات هذا النسق من التعلم بمختلف نماذجه الافتراضية والمحاكاتية ونحوهما لا تزال تقتصر وظيفياً في الوقت الراهن على مؤسسات التعليم العالي الحضوري في الأغلب الأعم، بينما لا يزال التعليم العام على مستوى العالم في منأى عنه بشكل عام أو في مراحله التجريبية الأولية.
على الرغم من محدودية تطبيقات التعلم الغامر في الوقت الراهن كما أسلفت آنفاً، فقد أدرج ناقرو في مقاله المنشور عام 2026م أمثلة لقضايا تتعلق بتطبيق هذا النسق من التعلم عن بعد منها على سبيل المثال لا الحصر الوقائع الافتراضية والمعززة في الطب والتاريخ، والمحاكاة الرقمية للطيران المدني والحربي، والمعامل الافتراضية في الفيزياء والكيمياء، والجراحة الروبوتية. وهو سرد أراه غير واقعي مهنياً بالنسبة للتخصصات الإنسانية التطبيقية ذات المسارات العملية والميدانية التوجه، ناهيك عن التخصصات العملية التي تعتمد برامجها على التدريب المختبري والجهد البحثي العملي والتطبيقي التقني المرموق والميداني الرصدي المسحي الدقيق والطبي الحضوري السريري المباشر. فالمحاكاة الرقمية والجراحة الروبوتية والتحليلات المختبرية الافتراضية الغامرة بمختلف أنماطها مهما بلغت درجة تطورها لا يمكنها، حسب عريف وآخرون (2024م) وكذلك أبوالخير (2026م)، أن تنقل الخبرة الحسية عبر التعلم الغامر عن بعد، ولا أن تُنمّي المهارات اليدوية الدقيقة كما يفعل التدريب الميداني أو العمل المختبري الحضوري. وكذلك لا يمكن لتقنيات الغمر الافتراضية التي تُدَرَّسُ عن بعد أن تُدَرِّب الدارسين على التعامل مع الأخطاء الواقعية غير المتوقعة وخاصة في التخصصات الطبية والهندسية والعلوم الكيميائية والفيزياء التطبيقية والمختبرات البيولوجية. كما تؤكد البحوث ذات العلاقة بتعليم العلوم أن المختبرات الافتراضية والجراحة الروبوتية المحاكاتية قد تعزز الفهم النظري لكنها لا تغني عن الخبرة المختبرية والطبية الحسية المباشرة، ولا أن تكون بديلاً للتجربة التعليمية الحضورية (عريف وآخرون 2024م). ولذا على الرغم من توظيف بعض جامعات أمريكية رائدة مثل هارفارد وأكسفورد أنماطا تعليمية هجينة متزامنة أو مدمجة في حدود ضيقة للغاية في نزر من العلوم الإنسانية والبحتة النظرية، لكنها لا تستغني بأي حال من الأحوال عن المختبرات الحضورية وخاصة في التخصصات الإنسانية والطبيعية ذات التوجه العملي (أبوالخير 2026م). على الرغم من العقبات والتحديات الآنفة الذكر التي تواجه نسق التعلم الغامر، فقد يتحول هذا النسق خلال الربع القادم من هذا القرن إلى نسق تعليمي مستقل أشبه بأنساق التعليم الحضوري والهجين والتعليم عن بعد نتيجةً لقدرة هذا النسق على توفير بيئة تعلم بديلة، وإسهامه في التغيير الجذري لدور العلم والمتعلم، وإلغائه كما يُعتَقَدُ للحدود التقليدية للمكان. بل قد يشهد هذا النسق من التعلم مع بداية النصف الثاني من هذا القرن تحولاً منظورياً جذرياً يتمثل في إنشاء جامعات غامرة تبدأ بشكل محدود مكانياً ثم تنتشر فيما بعد بوتائر متسارعة حول العالم. ويعود الانتشار المتوقع لهذا النسق من التعلم، حسب بعض الأطر المرجعية المعاصرة، إلى التطور المتفاقم للتقنية، والتزايد المتسارع في الوعي البشري الرقمي، والتقدم الملحوظ في طرق الإدارة التعليمية والحوكمة الرقمية والتنظيمية. كما يعود ذلك الانتشار من جانب آخر إلى التنامي المضطرد في إبرام بعض مؤسسات التعليم العالي الرائدة في العالم اتفاقيات مع بعض الشركات الكبرى لتوفير معدات التعلم الغامر بتكلفة منخفضة نسبيا، وتُشَيِّيد البنى التحتية اللازمة لمنصات التعلم الغامرة المساندة لذلك النوع من جامعات الغمر المستقبلية.
في ختام هذا المقال أوصي بضرورة قيام الجامعات في المملكة العربية السعودية بإجراء بحوث ودراسات استشرافية تهدف إلى تطوير نماذج تربوية غامرة شريطة ألا يترتب على ذلك التطوير إلغاء الأنساق التعليمية الحضورية المدعومة بالأنظمة الرقمية الاندماجية التزامنية الهجينة. كما ينبغي أن تستند تلك الأبحاث في الآن نفسه على منهج تحليلي مفاهيمي مقارن للأدبيات العلمية المعاصرة التي تساعد جامعاتنا على تطوير أطر نظرية وتطبيقية في مختلف مجالات التعلم الغامر ومحاكاة النماذج الممثلة للتطبيقات المؤسسية ذات العلاقة بهذا النسق من التعلم في الجامعات الرائدة عالمياً.
* * *
المراجع:
أولاً: المراجع العربية
- أبوالخير، يحي بن محمد شيخ، التعليم عن بعد: قراءة مرجعية، صحيفة إشراقة، ع. 80، أبريل 2026 م، كليات الشرق العربي الرياض.
- أبوالخير، يحي بن محمد شيخ، المفارقات الأبستمولوجية بين أنظمة التعليم عن بعد والحضورية الرقمية الهجينة، صحيفة الجزيرة، 13 مايو 2026م، الرياض.
- ناقرو، طلعت، التعليم عن بعد «ثورة رقمية»، صحيفة إشراقة، ع. 78، فبراير 2026م، كليات الشرق العربي، الرياض.
ثانياً: المراجع الأجنبية
-Jeremy N. Bailenson. (2021). Nonverbal overload: A theoretical argument for the causes of Zoom fatigue. Technology, Mind, and Behavior, 2(1).
-Fernandes, F. A., et al. (2022). Immersive learning frameworks: A systematic literature arXiv
-Arif, M., et al. (2024). Immersive learning: A systematic literature review on transforming engineering education through virtual reality. Review.
-Cheng, L., Hidayat, R., الجزيرة Mahat, J. (2025). Immersive and interactive learning: A systematic review of virtual reality in primary education. International Journal of Interactive Mobile Technologies (Ijima)
-Christian M. Stracke, et al. (2025). Immersive virtual reality in higher education: A systematic review of the scientific literature. Virtual Reality.