صالح الشادي
في حرب الخليج الأخيرة التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في فبراير 2026، لم تكن نيران القتال وحدها تتصاعد بالصواريخ فقط بل بالملفات القانونية والسياسية. ففي هذه الحرب، تعرضت العديد من دول المنطقة ولا سيما الدول العربية المطلة على الخليج العربي لقصف صاروخي إيراني عنيف، استهدف منشآتها المدنية والنفطية وأحدث خسائر مادية هائلة تجاوزت تقديراتها الأولية مئات المليارات من الدولارات، إلى جانب خسائر معنوية تمثلت في زعزعة الأمن الوطني وخرق سيادتها. والمفارقة المرة أن هذه الدول لم تكن طرفاً في الحرب، بل جاءتها الصواريخ من إيران وميليشياتها وهي لم ترفع سلاحاً ضد أحد، لم تعلن عداءً، ولم تمنح أي طرف حق استخدام أراضيها، ومع ذلك دفعت الثمن غالياً. فمن يتحمل هذه الخسائر؟ وماذا يقول القانون الدولي؟ وهل يمكن لأمريكا -كونها طرفاً رئيسياً في الحرب- أن تتحمل جزءاً من المسؤولية، أو أن تقوم بخصم التعويضات من الأصول الإيرانية المجمدة لديها؟
الإجابة القانونية الواضحة تقول إن إيران هي المسؤولة بالدرجة الأولى عن هذه الأضرار، استناداً إلى قواعد القانون الدولي العام والإنساني. فالقاعدة المستقرة في القانون الدولي تقول إن أي دولة ترتكب فعلاً غير مشروع أو تنتهك التزاماتها الدولية، عليها أن تلتزم بجبر الضرر الناتج عن هذا الفعل. وبموجب البروتوكول الأول الملحق باتفاقيات جنيف، وتحديداً المادة 91، فإن طرف النزاع الذي ينتهك أحكام هذه الاتفاقيات يلتزم بدفع تعويض كامل عن الخسائر والأذى الذي تسببت به انتهاكاته. وإيران، عندما أطلقت صواريخها باتجاه دول جوارها المحايدة، انتهكت أشد قواعد القانون الدولي احتراماً، وهي قاعدة حماية المدنيين والأعيان المدنية أثناء النزاعات المسلحة. ولذلك فإن طهران تتحمل المسؤولية القانونية الكاملة، وكذلك الميليشيات التابعة لها والتي تعتبر أفعالها أفعالاً للدولة الأم.
لكن السؤال المطروح هو: كيف يمكن لدول الخليج أن تطالب بهذه التعويضات؟ القانون الدولي وفر أكثر من سبيل. أولها اللجوء إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، شرط أن توافق إيران على الاختصام أو أن يكون هناك اتفاق خاص بين الدول المتضررة وإيران، وهو أمر مستبعد في ظل التوتر القائم. ثانيها التحرك عبر مجلس الأمن، بصفته الجهة المخولة بالحفاظ على السلم والأمن الدوليين، حيث يمكن لمجلس الأمن أن يصدر قراراً بإنشاء لجنة تعويضات موازية للجنة الأمم المتحدة للتعويضات التي تأسست بعد غزو الكويت عام 1990، والتي نجحت في صرف أكثر من 52 مليار دولار للمتضررين. ثالثها أن تتقدم كل دولة متضررة بدعوى مباشرة أمام المحاكم الوطنية في الدول التي تملك فيها إيران أصولاً، مستندة إلى قوانين الحصانة السيادية التي تسمح بالاستثناء في حالات الأفعال الإرهابية أو الأضرار المدنية الجسيمة.
أما فيما يتعلق بدور الولايات المتحدة، فهنا تتداخل المسؤولية القانونية مع المسؤولية الأخلاقية والسياسية. صحيح أن القانون الدولي لا يحمل الولايات المتحدة مسؤولية مباشرة عن الأضرار التي تسبب بها الطرف الآخر في الحرب، طالما أن أفعالها كانت ضمن قواعد الاشتباك المشروعة. لكن المبدأ الأخلاقي يقول إن من يكون سبباً في الحرب، أو طرفاً فيها، فإنه يتحمل تبعات ما ينتج عنها، خصوصاً عندما تقع هذه التبعات على دول لم تشترك في القتال. علاوة على ذلك، فإن القواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني تلزم كل دولة طرف في نزاع أو حتى غير طرف باحترام وضمان احترام قوانين الحرب، ومنها حماية المحايدين.
والولايات المتحدة بتواجدها العسكري في بعض دول الخليج، كانت ملزمة باتخاذ كل الاحتياطات اللازمة لعدم جر هذه الدول إلى دائرة الاستهداف، وهو ما لم يحدث. لذلك فإن المطالبة الأمريكية بالمساهمة في إعادة الإعمار أو تحمل جزء من نفقات التعويضات ليست بعيدة عن الإنصاف، وقد سبق أن دفعت واشنطن تعويضات طوعية في حوادث مماثلة لأسباب إنسانية، مثل قضية إسقاط الطائرة الإيرانية رقم 655 عام 1988 حيث دفع الجيش الأمريكي 131.8 مليون دولار لأسر الضحايا دون اعتراف بالمسؤولية القانونية.
أما الاقتراح الأكثر عملية وإلحاحاً، فهو استخدام الأصول الإيرانية المجمدة لتعويض الدول المتضررة. تقدر الأصول الإيرانية المجمدة في البنوك الأمريكية والنظام المالي الغربي بنحو 100 إلى 120 مليار دولار حول العالم، منها حوالي 2 مليار دولار داخل الولايات المتحدة مباشرة. هذه الأصول جمدت منذ أزمة الرهائن عام 1979، وتم تجميد أجزاء منها أيضاً بسبب برنامج إيران النووي ودعمها للإرهاب. فلماذا لا يتم خصم قيمة التعويضات التي حكمت بها المحاكم الدولية أو لجان التحكيم من هذه الأصول، وتوزيعها على دول الخليج المتضررة؟ قانونياً، هذا الأمر ليس مستحيلاً. ففي الولايات المتحدة، هناك قوانين مثل قانون مكافحة الإرهاب وقانون حماية ضحايا الإرهاب التي تسمح باستخدام الأصول الإيرانية المجمدة لتعويض ضحايا الهجمات الإرهابية التي تنسب إلى إيران. وقد استخدمت واشنطن هذه الآلية من قبل لتعويض أسر ضحايا ثكنات بيروت وتفجير الخبر. فلماذا لا يمتد هذا المبدأ ليشمل الدول التي تعرضت لخسائر جماعية نتيجة الحرب الأخيرة؟ العقبات ليست قانونية بقدر ما هي سياسية. إيران ستعتبر أي خطوة من هذا القبيل مصادرة غير مشروعة لممتلكاتها وسترفع دعوى دولية مضادة. كما أن الإفراج عن هذه الأصول يعد ورقة تفاوض قوية في أي مفاوضات مستقبلية حول الملف النووي أو البرنامج الصاروخي الإيراني. ولكن إذا كان العدالة والإنصاف هما المعيار، فإن استخدام الأموال المجمدة لتعويض دول خسرت مدناً بأكملها ومنشآت حيوية دون أن تكون طرفاً في الحرب هو حل عادل وفعال.
في النهاية، تبقى الحقيقة واضحة: دول الخليج المتضررة تملك كل الحق في المطالبة بتعويضات من إيران باعتبارها المعتدي المباشر، ولها أيضاً أن تطالب المجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة بتحمل مسؤوليته الأخلاقية في إعادة الإعمار، لأن الحرب التي لم تشعلها هذه الدول أوقدها الآخرون على أرضها. والقانون الدولي، رغم قصور آليات تنفيذه، قدم الأدوات اللازمة لرفع الدعاوى وإنشاء صناديق التعويض. وما لم تتحرك الدول المعنية سريعاً من خلال منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، فإن خسائرها ستظل حبراً على ورق، والصواريخ التي دمرت منشآتها ستدمر أيضاً ثقتها في أي عدالة دولية واعدة. لقد حان الوقت لأن يدفع المعتدي ثمن عدوانه، وأن يتحمل المحرض تبعات تحريضه، وأن لا تبقى الدول الصغيرة والمحايدة وحدها من يتألم على أنقاض مدنها.